قبيل بداية كأس العالم لكرة القدم يوم 11 يونيو/ حزيران الحالي، كانت وسائل الإعلام في حيرة من أمرها: هل سيشارك اللاعب البرازيلي نيمار جونيور في صفوف منتخب بلاده، أم لن يُستدعى؟ لم يلعب نيمار خلال السنة الأخيرة أكثر من ثلاث مباريات كرة قدم، وقد عانى كثيراً مع الإصابات.
قرّر مدرب المنتخب، الإيطالي كارلو أنشيلوتي، استدعاءه رغم إصابته؛ إذ لم يشارك في أول مباراتين مع السيليساو.
في الأخيرة، ضد المنتخب الاسكتلدني، لعب في آخر 13 دقيقة من عمر المباراة، وابتكر ثلاث فرص.
واليوم، سيكون مع صفوف منتخبه في مواجهة اليابان في دور الـ32 من البطولة.
مع حضور اللاعب ابن الـ34 عاماً في كأس العالم (الرقصة الأخيرة، كما يسمّيها) التي لم يستطع الفوز بها طوال مسيرته، تتصدّر منصة نتفليكس سلسلة وثائقية تحمل عنوان" نيمار: فوضى مثالية" (Neymar: The Perfect Chaos) صدرت في عام 2022، تتناول تجربة اللاعب منذ كان فتى يافعاً، حتى عام صدور السلسلة.
في الحلقة الأولى التي تحمل عنوان" الوعد البرازيلي العظيم" (The Great Brazilian Promise)، نشاهد ما يشبه كولاجاً؛ نرى نيمار صغيراً ثم مراهقاً، نتعرّف إلى عائلته، خصوصاً والده (مدير أعماله أيضاً) الذي لعب دوراً محورياً في صناعة نجوميته منذ ركلاته الأولى في شوارع ساو باولو، إذ سُلط الضوء مبكراً على تأسيس شركته لإدارة أعماله الرياضية.
تركز الكاميرا على هذه العلاقة المزدوجة والمعقدة؛ إذ يبوح نيمار بأن علاقته بوالده كانت أبوية بحتة في الماضي، لكنها تحولت بمرور الوقت وتنامي الشهرة لتصبح ذات طابع مهني وتجاري صرف.
المعالجة الوثائقية تُظهر نيمار الأب بوصفه مهندساً لـ" علامة نيمار التجارية"، وهو ما يبدو جلياً في طريقة تتبع الكاميرا لتفاصيل إدارة هذه المؤسسة وصيانتها، بدلاً من الغوص في الجانب الإنساني العميق لرحلة الصعود.
ورغم أهمية هذا البعد، إلا أن المخرج ديفيد تشارلز رودريغيز يتبنى رؤية إعلامية تظهر نيمار وكأنه بطل في فيديو موسيقي يمجّد ذاته، مهتماً بالصورة البراقة على حساب العمق الدرامي.
وتبدأ السلسلة مبكراً بالوقوع في فخ التشتت، إذ تتعثر الإيقاعات بمشاهد سطحية تخدم تلميع الشخصية إعلامياً أكثر مما تخدم الحبكة الوثائقية الجادة.
يقدّم نيمار بوصفه منتجاً إعلامياً يُدار داخل منظومة عائلية يقودها والدهفي الحلقة الثانية، " العودة" (The Comeback)، يتركّز الأمر على وجود نيمار في نادي برشلونة، والريمونتادا التاريخية التي ساهم بها مع الفريق ضد نادي باريس سان جيرمان.
" العودة" هنا تبدأ من رجوع نيمار إلى اللعب بعد إصابته في كأس العالم عام 2014 بكسر في إحدى فقرات ظهره خلال مباراة ربع النهائي ضد كولومبيا.
وهي لحظة يصوغها الوثائقي بلمسة درامية مكثفة، فيسترجع اللاعب كلمات الطبيب الذي أخبره بأن الإصابة لو انزاحت بمقدار سنتيمترين فقط، لكان قد فقد القدرة على المشي إلى الأبد.
تُستثمر هذه النقطة المفصلية سينمائياً لتصوير" العودة" الملحمية، ليس فقط بدنياً، بل عبر رحلة تعافٍ نفسي قادته إلى التتويج بالذهب في أولمبياد 2016، كأن هذا الفوز مثّل فعل انعتاق من عبء الانتقادات.
مع ذلك، يعود التشتت السردي ليطغى بقوة على إيقاع هذه الحلقة؛ إذ يهدر العمل وقتاً غير مبرر في تتبع يوميات ومشاهد ثانوية تبدو غير ضرورية على الإطلاق، مثل الاستعراض المبالغ فيه لبعض جوانب علاقته بابنه دافي.
ورغم الدلالة العاطفية التي قد تحملها هذه المشاهد، إلا أنها استُهلكت وبدت استعراضاً إعلامياً كاشفاً، كما في مشهد الهدية المدرسية المغلفة، ما يُفقد المسلسل تماسكه، ويصرف انتباه المشاهد عن الصراع الداخلي الحقيقي الذي يعيشه البطل مع عالم الكرة والجمهور والأب والأندية التي لعب بها، ومع الإعلام أيضاً.
تُختتم السلسلة بثالثة حلقاتها، " هذه باريس" (This is Paris).
كما يشير العنوان، ينتقل اللاعب البرازيلي إلى نادي باريس سان جيرمان.
وهناك، لم تجرِ الكرة بما تشتهي قدما نيمار؛ إذ سرعان ما اصطدم بعاصفة من غضب الجماهير وصافرات الاستهجان، وتحديداً بعد إبداء رغبته في الرحيل عن النادي عام 2019.
درامياً، تحاول السلسلة تصوير هذه المرحلة بوصفها" الفوضى المثالية"؛ إذ يصرّح نيمار بأن الأجواء العدائية تدفعه أحياناً إلى الإيمان بنفسه أكثر واستخراج أفضل ما لديه.
لكن في المقابل، تفشل الرؤية الوثائقية في الغوص نحو الدوافع النفسية الحقيقية لعدم رضاه، وتقفز فوق إحساسه الدائم بالبقاء في ظل نجوم آخرين، مكتفية بقشور الأزمة.
تبرز هنا مجدداً قبضة والده الصارمة مديراً لأعماله، إذ يحاول حماية" العلامة التجارية" وسط الأزمات المتلاحقة وإدارتها.
يتجلى هنا المحور الأعقد في السلسلة، وهو تحول نيمار من إنسان ولاعب موهوب إلى" علامة تجارية" قائمة بذاتها، ومؤسسة مالية ضخمة يديرها والده بصرامة براغماتية.
في هذا الجزء من السلسلة الوثائقية، نلمس بوضوح كيف أن الاهتمام بصيانة صورة نيمار بوصفه منتجاً استهلاكياً يطغى تماماً على الجوهر الرياضي، إذ يتحدث نيمار الأب بشفافية كبيرة عن استراتيجيات الحفاظ على هذه العلامة التجارية في الحاضر والمستقبل.
هذا التحول يمثّل جوهر مأساة لاعبي كرة القدم في أيامنا هذه؛ إذ يُدفعون بوعي أو من دونه نحو استهلاك أنفسهم إعلامياً وتجارياً على حساب صقل مهاراتهم وقدراتهم الخالصة على أرض الملعب، وهو المكان الذي كان ينبغي للسلسلة أن تمنحه وقتاً أطول بكثير مما فعلت.
بدلاً من التركيز على السحر الكروي الذي يقدمه، تتورط السلسلة نفسها، تماماً كما يتورط نيمار، في استعراض أرقام المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ يُبرز العمل كيف يمتلك اللاعب ما يقارب 168 مليون متابع على" إنستغرام"، وهو رقم هائل يضعه ضمن العشرين الأوائل عالمياً، وإن كان لا يزال خلف زميله في باريس سان جيرمان ليونيل ميسي.
هذا الهوس بالأرقام والصورة البراقة يجعل اللاعبين عرضة للسقوط في فخ الثرثرات الإعلامية التي تظلم تجربتهم الفعلية وتسلبهم هويتهم.
لقد أصبح سلوك نيمار خارج الملعب يتفوق في كثير من الأحيان على أدائه الرياضي، بل إن هذه الفوضى المحيطة به زادت من حجم شهرته بطريقة مشوهة وملتبسة.
تستعرض السلسلة كيف يُزَجّ باسمه في أزمات وفضائح إعلامية كبرى، مثل ادعاءات الاغتصاب التي واجهها عام 2019، قبل أن تُرفض القضية لاحقاً، لتتحول حياته إلى مادة دسمة لصحافة التابلويد بدلاً من الصحافة الرياضية الجادة، وتتكرس غربته القاسية عن ذاته بوصفه إنساناً، وعن المستطيل الأخضر الذي يمثل شغفه الأول.
تنهي السلسلة مسارها من دون تأمل للمرحلة، تاركةً إيانا مع عمل يوصف بالسطحية، تُشتته الإطالات المتعمدة، ويُفضّل في النهاية تقديم صورة إعلامية مصقولة لاحتواء" الفوضى"، بدلاً من إنجاز بورتريه سينمائي يستكشف الجوهر الهش والمعقد للإنسان القابع خلف أسطورة اللاعب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك