= في ظل التحوُّلات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والتقنيَّة المتسارعة، وما تفصح عنه المؤشرات والإحصاءات المرتبطة بالمخدرات والجريمة والمُشْكلات الأُسريَّة والطلاق، واتساع الظواهر المُجتمعيَّة الفكريَّة والسلوكيَّة الدخيلة على المُجتمع، تتأكد الحاجة اليوم إلى مراجعة شاملة لسياسات وبرامج التوعية والتثقيف؛ باعتبارها القوَّة الناعمة في تشكيل الوعي الجمعي، وخيارًا فاعلًا في إعادة هندسة السلوك البشري، وترقية الأدوات والأساليب المعززة للاستكشاف والوقاية وصناعة الأثر في مواجهة التحدِّيات الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، وتعزيز الاستقرار المُجتمعي، والمحافظة على الهُويَّة الوطنيَّة، من خلال بناء أدوارها النوعيَّة في ظل اتساع المستجدات وتسارع الأحداث، بما يجعلها أكثر قدرة على إدارة السلوك وصناعة الوعي وبناء الأثر، وترسيخ مسار التوازنات في المنظومة القيميَّة الوطنيَّة في عالم متغير تتسع فيه التأثيرات الفكريَّة والثقافيَّة والإعلاميَّة والرقميَّة.
وتأتي هذه المسؤوليَّة الوطنيَّة انسجامًا مع التوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بشأن أهميَّة التربية الأسريَّة والأخلاقيَّة، ورعاية الأبناء، وتعزيز الاستخدام الآمن والمتوازن للتقنيَّة، بما يحفظ للناشئة توازنهم النفسي والاجتماعي، ويحميهم من المخاطر التي قد تفرزها البيئات الرقميَّة المفتوحة.
وهي توجيهات انطلقت من تشخيص عميق للحالة المُجتمعيَّة، وقراءة فاحصة للتحوُّلات المتسارعة في المجال التقني والفضاءات الرقميَّة، التي تستدعي المحافظة على مسار التوازن في حياة الناشئة في مواجهة التغريب القيمي والتسطيح الأخلاقي، وتؤكد أن بناء الإنسان يظل المدخل الحقيقي للتنمية والاستقرار، وأن الأُسرة والقيم والأخلاق هي الركائز الأساسيَّة في صناعة المستقبل.
وبالتالي، تتجه الأنظار في قراءة السياسات والتشريعات والأُطر الموجّهة للمحافظة على قيم الناشئة في الفضاء الرَّقمي والتقني إلى التوعية؛ باعتبارها مدخلًا أصيلًا لبناء الوعي، ومنطلقًا لصناعة الأثر وإنتاج التغيير الواعي في شخصيَّة الفرد، والمنطلق الذي يمكن أن تُبنى عليه محدِّدات الإعلام الوقائي والحسّ الأمني لدى الناشئة.
ولم تَعُد مسألة التوعية مجرد رسائل إعلاميَّة أو حملات موسميَّة مرتبطة بمناسبات محدَّدة، أو أحداث ومواقف تنتهي بانتهائها، بل أصبحت خيارًا وطنيًّا مشتركًا لبناء الوعي وتعظيم أثره، ومشروعًا وطنيًّا متكاملًا تشترك فيه كل أطياف المُجتمع ومنظومات الدولة ومؤسَّساتها.
فالأُسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسَّسات الدينيَّة والثقافيَّة والشبابيَّة، والأجهزة الحكوميَّة، ومؤسَّسات المُجتمع المَدني، وشركات القطاع الخاص، وشركات التقنيَّة والاتصالات، والمؤثرون الاجتماعيون وأصحاب المبادرات، عبر إطار تنفيذي يضمن مشاركتهم، كلٌّ في مجال اختصاصه، في التوعية الرقميَّة بالسلوكيَّات الظاهرة وآثارها، ودور التشريعات في التعامل معها، مع التفكير في إعادة رسم دور المرصد الاجتماعي في المشهد الوطني والاجتماعي القادم، في الوقوف بعمق على هذه الظواهر، ووضع البدائل والحلول النافذة والملائمة، مع مراعاة طبيعة الفرد المخاطب، والبُعد الثقافي، ومستوى النضج الفكري لديه.
وعليه، تبرز الحاجة إلى وجود إطار وطني متكامل لإدارة سلوك التوعية المُجتمعيَّة، يقوم على تفاعل الأُطر وتقاسم المسؤوليَّة بين مختلف المؤسَّسات، ويستند إلى بيانات دقيقة ودراسات ميدانيَّة ومؤشرات واضحة وحوكمة فاعلة للإجراءات، تساعد على قراءة الظواهر المُجتمعيَّة ودراستها وفهمها وتحليل أسبابها والوقوف على مسبِّباتها ومتابعة تطوراتها، بما يمكّن من الانتقال من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة الوقايَّة والاستباق والتدخل المبكر.
إن نجاح هذا الإطار الوطني وجاهزيَّته في تحقيق الأهداف الوطنيَّة يرتبط بمجموعة من المحدِّدات الأساسيَّة التي تُشكِّل مرتكزات التوعية الناجحة والقادرة على تحقيق التأثير والاستدامة، والتي نشير إليها فيما يأتي:ذلك أن الاختلاف في الفئات العمريَّة، وتعدُّد البيئات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والنفسيَّة، يفرضان تنوعًا في الرسائل والأساليب والأدوات المستخدمة.
فالتوعية الموجَّهة للأطفال تختلف عن تلك الموجَّهة للشباب أو الأُسر، كما تختلف التوعية الرقميَّة عن التوعية الأسريَّة أو الصحيَّة أو الأخلاقيَّة أو المرتبطة بمكافحة المخدرات والجريمة.
وللتوعية الرقميَّة أصولها ومحدِّداتها التي يُفترض أن تقرب الصورة للمستهدف؛ ولذلك فإن نجاح التوعية يبدأ من قدرتها على فهم المخاطبين والتعامل مع احتياجاتهم وخصائصهم بلُغة قريبة منهم وأدوات مؤثرة فيهم.
الاستدامة والاستمراريَّة:فالتوعية ليست فعلًا مؤقتًا أو حملة عابرة، وإنما عمليَّة تراكميَّة طويلة المدى تستهدف بناء القناعات وتعديل السلوك وترسيخ الممارسات الإيجابيَّة.
وكلما استمرت الرسائل التوعويَّة، وتنوعت قنواتها، وارتبطت بالحياة اليوميَّة للناس، ازدادت فرص تحولها إلى ثقافة مُجتمعيَّة مستقرة.
ومن شأن ذلك استدامة تأثير هذه البرامج في سلوك المستهدفين، وترقية ممارساتهم بصورة أكثر ابتكاريَّة وأقرب إلى الذَّوق والمسؤوليَّة.
ترسيخ الإيجابيَّة وصناعة الدافعيَّة الذاتيَّة:إذ إن نجاح برامج التوعية والتثقيف، واستدامة أثرها، وقدرتها على الولوج إلى العمق الإنساني، يستدعي قيامها على منطلقات مقننة في نهج التغيير، ونقل الفرد إلى الشعور الذاتي بتبنِّي هذا الفعل، وأن السلوك المتوقع منه كفيل بالمحافظة على نفسه وماله وحياة الآخرين، وتحقيق السعادة التي يؤمن الجميع بأهميَّتها.
وهذا المدخل القائم على توقع السلوك الأفضل من المخاطبين، وتعزيز الثقة في قدرتهم على تحقيقه وبناء أطره الصحيحة، سوف يسهم في التغيير الذَّاتي للممارسات المُجتمعيَّة؛ ذلك أن بناء الثقة في الإنسان وتحفيزه على تبنِّي السلوك الصحيح أكثر فاعليَّة من الاقتصار على التخويف أو التوبيخ.
لذلك ينبغي أن تركز برامج التوعية على صناعة القدوات، وإبراز النماذج المشرقة، وتعزيز الشعور بالمسؤوليَّة والثقة بالنفس والقدرة على التغيير.
تعزيز بنية الإعلام الوقائي:ذلك أن قدرة الإعلام الوقائي الوطني على تشخيص السلوك الاجتماعي في المنصَّات الرقميَّة، وامتلاك أدوات تشخيصيَّة واكتشافيَّة قادرة على تتبع هذه الحالات ورصدها أولًا بأول، وتقديم تغذية راجعة استباقيَّة، سوف توفر الكثير من النتائج التي تمنح فرصًا أكبر للتدخل المباشر في التعامل مع الحالات، والاستمراريَّة في التفاعل معها حتى زوالها أو التأكد من انتفاء تأثيرها.
وهو ما يعني المزيد من الجاهزيَّة في الأدوات والبدائل، وترسيخ ثقافة المسؤوليَّة والشعور القيمي والأخلاقي لدى الفرد، وتعزيز الرقابة الذاتيَّة؛ باعتبارها منطلقات لتحقيق الاستدامة والتحوُّل والفاعليَّة في استراتيجيَّات التوعية ونمو رسالة الوعي، خصوصًا في ظل اتساع مساحة تداول الشائعات والمعلومات المضللة وغير الموثوقة عبر المنصَّات الاجتماعيَّة، وتسليع البشر في سوق الدعاية والإعلانات للمنتجات الاستهلاكيَّة ومستحضرات التجميل، في ظل ضعف الضوابط وغياب الرقابة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى حزمة من المبادرات المرتبطة بتعزيز استراتيجيَّة الإعلام الوقائي الرقمي وبرامجه التثقيفيَّة والتوعويَّة والتأهيليَّة، عبر إيجاد بنيَّة إعلاميَّة رقميَّة تهدف إلى تعميق جوانب المسؤوليَّة الشخصيَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة لدى الفرد في الفضاء الرقمي، وتعزيز مراكز اتصال فعَّالة بالمؤسَّسات تمتلك أدوات واضحة ومنهجيَّات دقيقة في التعامل مع مختلف القضايا، تراعي الذَّوق والخصوصيَّة، وتوفِّر البدائل المناسبة، وتستقرئ الحالات بصورة تمكنها من تقديم معالجات أكثر فاعليَّة.
عليه، يبقى بناء إطار وطني للتوعية المُجتمعيَّة مرهونًا بتكامل الأُطر ونضج السياسات وإعادة تنشيط دور التشريعات والقوانين ومؤسَّسات الضبط الاجتماعي، وتوظيف المناسبات الوطنيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والسياحيَّة لنشر التوعية المُجتمعيَّة.
ومن هذا المنطلق، يُمثِّل المؤتمر السنوي للادعاء العام نموذجًا مهمًّا للقوَّة الناعمة في تعزيز الوعي بالمخاطر التقنيَّة التي تستهدف الأطفال، وترسيخ مفاهيم الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنيَّة والأمان الرقمي، في ظل ما تكشف عنه المؤشرات الإحصائيَّة والبيانات الموثقة من تزايد في الجرائم المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، وما يوفره المؤتمر من مساحة للشفافيَّة والإفصاح عن حجم هذه التحدِّيات وآثارها على الفرد والمُجتمع.
كما أن التفاعل المُجتمعي الواسع الذي صاحب طرح هذه القضايا، من خلال الكتَّاب والباحثين والأكاديميين والإعلاميين ومستخدمي المنصَّات الرقميَّة والمهتمين بالشأن العام، يسهم في تحويل هذه الفعاليَّات إلى منصَّات وطنيَّة للحوار وتبادل الخبرات، خصوصًا عند تناول الجرائم التي تمسُّ الأطفال، مثل: التحرُّش، والتنمُّر الرَّقمي، والاستدراج والاعتداء بمختلف أشكاله؛ حيث يؤدي النقاش المُجتمعي المصاحب لها، والتحليلات العلميَّة، والقراءات المتعمقة، والكتابات المتخصصة، والحوارات الفكريَّة، إلى رفع مستوى الوعي لدى الأُسر والأطفال والوالدين ومؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة، وتعزيز قدرتهم على الوقاية والتعامل مع هذه المخاطر، وفي الوقت نفسه تُشكِّل رصيدًا معرفيًّا ومائدة فكريَّة وخلاصة تجربة وطنيَّة يمكن للادعاء العام والمؤسَّسات المعنيَّة بالطفل، مثل: وزارة التنمية الاجتماعيَّة ووزارة التعليم والإعلام وغيرها، الإفادة من مخرجاتها في بناء برامج ومبادرات توعويَّة تُعزِّز الوعي الرَّقمي لدى الأطفال والناشئة، وتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للتقنيَّة، وترسيخ قيم المسؤوليَّة والوعي بالمخاطر في البيئة الرقميَّة، وتمكينهم من القدرة على الانتقاء والاختيار والنقد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك