فيلم" القصص" هو أحدث أعمال المخرج المصري أبو بكر شوقي، الذي لفت الأنظار بفيلمه" يوم الدين" المشارك في مهرجان كان السينمائي، ويمثل مشروعه الجديد أكثر أفلامه طموحا حتى الآن.
عرض" القصص" لأول مرة ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، قبل أن يواصل رحلته في عدد من المهرجانات العربية والدولية، محققا حضورا لافتا توج بحصوله على جائزة" التانيت الذهبي" لأفضل فيلم روائي طويل في أيام قرطاج السينمائية.
list 1 of 4“السلم والثعبان 2” يشعل الجدل ومصر للطيران تدخل على خط الأزمةlist 2 of 4فيلم" أرسلوا النجدة".
غابة نفسية اسمها مكان العملlist 3 of 4ترشيح فيلم صوت هند رجب لجائزة الأوسكارlist 4 of 4فيلم" العروس".
قراءة فنية جديدة لفرانكشتاينيضم العمل فريقا تمثيليا يجمع بين أسماء مصرية ودولية، في مقدمتها أمير المصري ونيللي كريم، إلى جانب مجموعة من الممثلين من مصر وأوروبا.
كما يقدم نموذجا لتعاون إنتاجي عابر للحدود، إذ جرى تطويره وتصويره بمشاركة شركاء من عدة دول، مع الاستعانة بفريق فني دولي على مستوى التصوير والموسيقى والتقنيات البصرية.
ثمة أعمال فنية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه سلسلة وقائع سياسية كبرى، بل تتبع أثره في حياة البشر العاديين.
من هذه الزاوية يمكن قراءة فيلم" القصص" والتقائه مع مسلسل" ذات" في رؤية مشتركة تجعل العائلة نقطة الانطلاق لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها مصر على مدار عقود.
صحيح أن العملين يجمعهما حضور نيللي كريم، لكن الرابط الأهم بينهما هو الطريقة التي يتحول فيها الخاص إلى مدخل لفهم العام، وكيف تصبح الحكايات الشخصية وسيلة لقراءة التاريخ.
في" ذات" تابع المشاهد حياة أسرة مصرية عادية منذ خمسينيات القرن الماضي، ورأى من خلال تفاصيلها اليومية آثار الهزيمة والانفتاح الاقتصادي وصعود تيارات مختلفة وتغير أنماط الحياة.
قدم المسلسل التاريخ بعيدا عن الخطب والشعارات، وعبر تفاصيل الزواج والعمل وتربية الأبناء والبحث عن مكان داخل مجتمع يتغير باستمرار.
ينطلق" القصص" من الفكرة نفسها تقريبا، إذ تمتد أحداثه من ما قبل نكسة 1967 وحتى الثمانينيات، لكنه يقترب من تلك المرحلة عبر شخصيات تحاول عيش حياتها وتحقيق أحلامها بينما يتغير العالم من حولها.
يتتبع الفيلم أحمد (أمير المصري)، عازف البيانو الشاب الذي يحلم بمستقبل فني مختلف، وتنشأ بينه وبين فتاة نمساوية علاقة طويلة عبر المراسلات.
ظاهريا يمكن قراءة الفيلم كقصة حب، لكنه في العمق حكاية جيل كامل تشكلت أحلامه تحت وطأة تحولات سياسية واقتصادية شملها تاريخ مصر الحديث.
العلاقة بين القاهرة وفيينا تفتح الباب أمام أسئلة الهوية والانتماء والهجرة والطموح، وكلها قضايا متشابكة مع السياق التاريخي الذي تتحرك فيه الشخصيات.
ما يميز هذا النوع من السرد أنه يقدم التاريخ كجزء من تجربة العيش اليومية؛ كل ما نقوم به اليوم كأفراد عاديين نحاول النجاة من يوم إلى آخر سيصبح يوما ما" تاريخا" يُنظر إليه بعين التحليل، بما يحمله من معارك وتحولات اقتصادية واجتماعية.
هنا تحديدا تتجلى الرؤية الفنية المشتركة بين" ذات" و" القصص": كل ما هو شخصي يعمل في داخله أثر سياسي، وكل تحول تاريخي كبير ينعكس بالضرورة على تفاصيل الحياة العادية.
ومن خلال هذا التشابك بين السيرة العائلية والتاريخ الوطني، يقدم العملان صورة لمصر التي لا ترويها الكتب المدرسية.
يُعرض" القصص" في قلب موسم الصيف، وسط مجموعة متنوعة من أفلام" الأكشن" والكوميديا العربية والأجنبية، ليتضح التباين بينه وبين هذه العناوين.
فهو عمل يبني عالمه بهدوء وثقة، معتمدا على إيقاع متأن يمنح الشخصيات الزمن اللازم للنمو.
الصورة السينمائية جزء من هذا الاختيار، إذ يطغى على الفيلم طابع مسرحي واضح، سواء في بناء الميزانسين (Mise-en-scène) وتصميم الكادرات أو في توزيع الشخصيات داخل الكادر.
يتعامل" القصص" مع مشاهده كما لو كانت لوحات معدة بعناية على خشبة مسرح، ويتجلى ذلك في تصميم شقة الأسرة المصرية ومقابلها شقة الأسرة النمساوية، لكل منهما تفاصيل بسيطة لكنها دقيقة تعبر عن الطبقة الاجتماعية والمرحلة الزمنية والذوق السائد في كل حقبة.
يمتد هذا الإحساس بالمسرحة إلى الشخصيات الثانوية المحيطة بالأبطال، مثل أفراد الأسرة الممتدة لأحمد كالأخوال والأعمام والجيران.
هذه الشخصيات تؤدي وظائف درامية وفي الوقت نفسه تتحول إلى جزء من المشهد البصري العام كعناصر ديكور حية تساعد على رسم ملامح العصر واستكمال صورته، يشمل ذلك تصميم الملابس وأسلوب التمثيل وطبيعة العلاقات بين الشخصيات كما كانت وقتها وحتى" الإفيهات" العابرة والتعليقات الصغيرة، لتعمل جميعا على تكوين مناخ اجتماعي وثقافي للسنوات التي تدور فيها الأحداث.
يتسق ذلك مع ما سبقت الإشارة إليه، فالفيلم لا يسعى إلى تقديم الماضي بوصفه مادة تاريخية تحتاج إلى توثيق حرفي، بل كذكرى جماعية تستحق الاحتفاء والتذكر، وكأن العمل يفتح نافذة على عالم لم يعد موجودا إلا في الذاكرة.
من هنا تكتسب المسرحة معناها الحقيقي داخل" القصص" كوسيلة لتحويل الماضي إلى احتفال بصري وعاطفي.
ينسجم الأداء التمثيلي مع هذا التصور، خصوصا في ما تقدمه نيللي كريم وأمير المصري، فكثير من المشاعر الأساسية في الفيلم لا تقال مباشرة، حتى عندما تواجه الشخصيات لحظات مفصلية في حياتها.
يتجنب الفيلم الجمل الرنانة والمبالغات العاطفية، مفضلا مزج الكوميديا الخفيفة مع الشجن والألم، حتى في أكثر لحظاته قسوة مثل استشهاد الأخ أو موت الابن.
تقدم نيللي كريم واحدا من أبرز أدوارها في السنوات الأخيرة، فهي الأم والمرأة الوحيدة تقريبا في هذه العائلة الممتدة، والبوصلة العاطفية لها، والعقل المدبر في خلفيتها.
ساعدها على ذلك بناء شخصية مكتوب بعناية، يبتعد عن كليشيهات" الأم المضحية" التقليدية، ويرتكز على الإرهاق والأسى المصاحبين للأمومة، خصوصا في زمن يعيش فيه الأبناء تحت تهديد الموت في الحروب أو الهجرة بلا عودة أو الفشل حتى داخل البلد.
يجمع الفيلم مشاعر تبدو متناقضة لكنها متجاورة في الحياة الحقيقية، فإلى جانب الحنين والأسى الناتجين عن مرور الزمن وخساراته، يمنح مساحة واسعة للدفء الإنساني ولحظات الفكاهة التي تنشأ بشكل طبيعي من تفاعل الشخصيات.
هكذا يتجاور الشجن والكوميديا والنوستالجيا داخل النسيج نفسه، ليخرج" القصص" في النهاية عملا يحاول الإمساك بإيقاع الحياة ذاتها، لا بما تقوله الكتب المدرسية عنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك