وسط تنافس كثير من المنتخبات المرشحة بقوة للتتويج بلقب كأس العالم 2026، حرص المدربون بالفعل على رفع وتيرة التدريبات.
فقد دخلت المنافسات مرحلة جديدة لا يمكن الوصول إليها إلا في الدور الإقصائي وبخاصة في كأس العالم.
وربما عبّر المنتخب الهولندي عن ذلك بأفضل صورة قبل أكثر مواجهات دور الـ32 إثارة، أمام المغرب، إذ قال المدافع الهولندي يان بول فان هيكه" لقد بدأ الجد، الآن تأتي المباريات الكبرى".
ولم يسبق أن شهدت البطولة هذا العدد من المباريات الكبرى.
فلا يتعلق الأمر فقط بالدور الإقصائي الموسع لأكبر نسخة من كأس العالم، بل تبدو وكأنها" كأس عالم خارقة"، أي النسخة التي تختزل البطولة إلى جوهرها الحقيقي.
فقد وصلت البطولة أخيراً إلى الحجم الذي كانت عليه النسخ الأخيرة، بمشاركة 32 منتخباً، وهو عدد يراه كثر في أوساط كرة القدم الأقرب إلى المنافسة المثالية.
لكن الفارق الآن أنه لم يعد هناك هامش للخطأ أو شبكات أمان أو فرص للتعويض.
إنها مباريات خروج المغلوب، لكنها مليئة بالمواجهات التي تمنحك شعوراً بالحياة.
إنها كرة قدم إقصائية خالصة.
وكما ارتفع المستوى الفني للبطولة مع توسعها، جاءت المواجهات على قدر كبير من الجودة.
ومجرد النظر إلى جدول المباريات يبعث على الحماسة.
فمباراة البرازيل واليابان تبدو بمستوى ربع النهائي، بينما قد ترقى مواجهة هولندا والمغرب إلى مستوى نصف النهائي.
وفي المقابل، تكاد تخلو القرعة من المواجهات غير المتكافئة، بينما تضم عدداً كبيراً من المباريات التي يصعب التنبؤ بنتائجها.
وإذا كان من المؤسف أن بعض المنتخبات القوية قد تودع البطولة مبكراً، بما يعادل الدور الأول في النظام السابق، فإن ذلك يعكس فقط حجم المخاطرة الحقيقي الذي ينبغي أن تتمتع به هذه البطولة.
وعلى رغم أن كثراً يرون بحق أن هذه هي" كأس العالم الحقيقية"، فإن ما شهدناه حتى الآن قد تشكل إلى حد كبير بفضل دور مجموعات غني وممتع.
تألق النجوم ووفرة الأهدافوإذا كان نظام كسر التعادل الجديد، الذي لم يكن موفقاً، قد حرم الجولة الأولى من الوصول إلى ذروة الإثارة التي كان يمكن أن تبلغها، باستثناء ما حدث في مباريات الإكوادور والنمسا والكونغو الديمقراطية، والأكثر أسفاً إيران، فإنه في المقابل نقل كل تلك الطاقة مباشرة إلى الدور التالي.
وكانت هذه الطاقة مدفوعة في المقام الأول بالنجوم.
وربما لم تشهد كأس العالم بطولة مماثلة منذ خمسينيات القرن الماضي، من حيث تألق هذا العدد الكبير من أفضل اللاعبين منذ البداية.
ولذلك أصبحت هذه النسخة الأولى في التاريخ التي يسجل فيها خمسة لاعبين أربعة أهداف في الأقل في دور المجموعات.
ومع كامل الاحترام، لا يوجد هنا أوليغ سالينكو.
فجميع هؤلاء الخمسة من كبار نجوم اللعبة، إذ سجل كل من كيليان مبابي وإيرلينغ هالاند وفينيسيوس جونيور وعثمان ديمبيلي أربعة أهداف، بينما أحرز ليونيل ميسي ستة أهداف، وهو الرقم الذي ظل طويلاً معياراً ذهبياً للفوز بالحذاء الذهبي.
ويعد هذا الرقم الأكثر تكراراً بين الفائزين بالجائزة، إذ أحرزه ثمانية من أصل 28 لاعباً نالوا الحذاء الذهبي.
وفي الوقت نفسه، قد يضع ميسي نصب عينيه أيضاً الرقم القياسي المسجل باسم جوست فونتين، الذي أحرز 13 هدفاً في نسخة 1958.
فلا يزال هناك كثير من المباريات المتبقية.
أما كثرة المباريات حتى الآن فقد غطت بالفعل على كثير من الضجيج المحيط بالبطولة، حتى وإن أصبح من الصعب أحياناً استيعاب هذا الكم الهائل منها، وكأنها جدار متواصل من كرة القدم.
والمنافسة على جائزة أجمل أهداف البطولة أصبحت رائعة بالفعل، من هدف ويلسون إيسيدور في مرمى المغرب إلى هدف جيو رينا في شباك باراغواي.
انتقادات تنظيمية وأزمات خارج الملعبأما في شأن البلد المستضيف، فقد يكون جياني إنفانتينو شعر بشيء من الحرج بسبب عدم حضور دونالد ترمب أي مباراة حتى الآن، لكن هناك اعتقاداً داخل أوساط كرة القدم بأن أكبر ضربة حظ لـ" فيفا" كانت تعرض الرئيس الأميركي لصافرات الاستهجان خلال إحدى مباريات نيويورك نيكس في نهائي دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين.
وقد أسهم غياب ترمب في زيادة التركيز على كرة القدم نفسها.
لكن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى التقليل من المشكلات المستمرة في البطولة أو تجاهلها.
فقد كان هناك تجاهل عام للجماهير التي منحت البطولة هذا الزخم، ومن بينهم الجماهير الاسكتلندية التي بدت وحيدة على رغم حماستها.
فالحضور الجماهيري الكبير لا يعني أن أسعار التذاكر لم تكن مخزية، والجوانب اللوجيستية كانت أكثر تعقيداً مما ينبغي.
وربما تكون المدن الأميركية وملاعبها قد صممت لبلد يعتمد على السيارات، لكن كان ينبغي إيلاء اهتمام أكبر لمئات الآلاف من المشجعين الذين سافروا من دونها.
أما ما تعرضت له إيران فكان أسوأ بكثير، إذ شن المهاجم مهدي طارمي هجوماً مبرراً على كل من إنفانتينو و" فيفا"، واصفاً البطولة بأنها" كارثة".
ويشكل ذلك وصمة في سجل المؤسسة.
وأثارت هذه المعاملة" غير العادلة" تساؤلات صريحة حول نزاهة المنافسة الرياضية، مما جعل من المخجل أكثر أن يستغل إنفانتينو الوضع أساساً كفرصة دعائية.
وأشار طارمي بوضوح إلى أن رئيس" فيفا"، " زار غرفة ملابسنا بعد المباراة الأولى"، ثم لم يعد ليهتم بالمنتخب مرة أخرى.
ومع ذلك، فإن الطريقة التي ودعت بها إيران البطولة، عقب التعادل المثير (3 - 3) بين الجزائر والنمسا في اللحظات الأخيرة، أكدت أن كرة القدم نفسها تبقى هي الأساس.
تغيرات فنية وصعود المواهب العالميةوقد أسهم تألق النجوم في رفع معدل الأهداف إلى 2.
99 هدف في المباراة الواحدة، وهو الأعلى منذ نسخة 1958.
وربما يعكس ذلك تأثير الظروف، إذ إن أعلى معدل بعد ذلك وحتى نسخة 1982 كان 2.
71 هدف في مونديال أميركا 1994.
وبعثت البطولة روحاً خاصة في كرة القدم، ازدادت جاذبيتها مع تنوع الأساليب الفنية.
وقد تمهد هذه النسخة لعودة الهويات الكروية الوطنية المميزة، في وقت بدأ فيه أسلوب اللعب المعتمد على التمركز، الذي رسخه بيب غوارديولا، يفقد هيمنته على هذا المستوى.
وربما كان من الرمزية أن يفشل أكثر من تأثر به، مارسيلو بيلسا، في فرض أفكاره على منتخب أوروغواي الذي ظهر بصورة فوضوية.
وباستثناء بعض التحركات الفردية المحددة، مثل الكرات العالية في المساحات أو استخدام المهاجم الوهمي، أو حتى توظيف رأس الحربة كصانع ألعاب، لم تظهر حتى الآن أي نزعة تكتيكية عامة تهيمن على البطولة.
وأدى ذلك إلى بطولة تعتمد على اللحظات والانفجارات الفردية أكثر من اعتمادها على اللعب الجماعي المنظم، وهو ما منح النجوم مساحة أكبر للتألق.
وخلف هؤلاء النجوم، برز انتشار واسع للمواهب، مما جعل المنافسة مفتوحة على نطاق كبير.
فعدد قليل فقط من المنتخبات كان استثنائياً، لكن عدداً كبيراً منها قدم مستويات قوية للغاية.
ويعكس ذلك السمة الأبرز للبطولة حتى الآن، والمتمثلة في استفادة الجاليات والمنتخبات المتعددة الجنسيات من منظومة تطوير المواهب في الدول الغنية بأوروبا الغربية.
مفاجآت المنتخبات وتوقعات الأدوار المقبلةوكانت أفريقيا أكبر المستفيدين من هذا الواقع، بعدما حققت بطولة تاريخية، بوصول 9 من أصل 10 منتخبات تأهلت منها إلى دور الـ32.
في المقابل عاشت آسيا بطولة مخيبة، إذ لم يتأهل من منتخباتها التسعة سوى اليابان وأستراليا.
ومن اللافت أن المنتخبات المتأهلة عن اتحاد (كونكاكاف) كانت الدول الثلاث المستضيفة فقط، بينما تعرضت كوراساو لأقسى هزيمة في البطولة.
ولم نشهد هذا العدد الكبير من النتائج الكاسحة الذي كان متوقعاً، فيما حقق منتخب كاب فيردي حتى الآن أكبر مفاجآت كأس العالم.
وربما تحمل البطولة مزيداً من المفاجآت أيضاً.
وعلى رغم أن توسيع البطولة إلى 48 منتخباً لا يزال غير مرغوب فيه من ناحية العدد، ولا تزال هناك مشكلات كثيرة، فإن التجربة جاءت أنجح بكثير مما كان متوقعاً.
لم تشهد البطولة حتى الآن مرحلة جس نبض أو مواجهات شكلية.
ومع ذلك، فإن اللحظة التي تبدأ فيها كأس العالم بصورتها الحقيقية قد حانت الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك