تستثمر المؤسسات في استقطاب الكفاءات، وتطوير الأنظمة، وتحسين بيئة العمل، لكنها قد تغفل عن أصل يصعب قياسه ويصعب تعويضه، وهو ثقة الموظف.
فخسارة هذه الثقة لا تُسجل في التقارير، لكنها تترك أثرها تدريجياً في ثقافة المؤسسة وأدائها.
من الطبيعي أن تنتظر الإدارة من موظفيها الالتزام، وتحمل المسؤولية، والالتزام بقيم المؤسسة، والمبادرة في العمل.
لكن هذه التوقعات لا تتحقق باللوائح وحدها، بل في بيئة يشعر فيها الموظف بالاحترام والإنصاف، ويجد أن كفاءته موضع تقدير، وأن القرارات المتعلقة بعمله تُتخذ بوضوح وعدالة.
وتتأثر ثقة الموظف بعوامل عدة، يأتي في مقدمتها طبيعة العلاقة مع المدير المباشر، إلى جانب عدالة السياسات وتطبيقها، والثقافة المؤسسية.
وتُعد ثقة الموظف خسارة لا تُرى لأنها لا تنعكس فوراً في التقارير أو الأرقام.
ورغم أن هذه الخسارة لا تظهر مباشرة، فإن آثارها تتراكم تدريجياً، فتتراجع مستويات الحماس، وتقل المبادرة، ويضعف التعاون، بما ينعكس سلباً على الاندماج الوظيفي والأداء.
وعندما تلتفت المؤسسة إلى هذه المؤشرات، تكون الثقة قد تآكلت بالفعل، وتصبح استعادتها أكثر تعقيداً من بنائها.
وقد تكون الخسارة الأكبر عندما يقرر الموظف البقاء بدلاً من الاستقالة.
فالموظف الذي يغادر يترك فراغاً يمكن للمؤسسة أن تعالجه بالتوظيف، وقد تنجح في شغل الوظيفة الشاغرة خلال أسابيع، بينما قد يستغرق استعادة مستوى العطاء الذي خسرته وقتاً أطول بكثير.
أما الموظف الذي يبقى بعد أن يفقد ثقته، فيؤدي واجباته، لكنه يتوقف عن المبادرة، ويتجنب تحمل مسؤوليات إضافية، ولا يضيف القيمة التي كان يقدمها سابقاً.
عندها تبدو المؤسسة وكأنها احتفظت بموظفيها، بينما تكون قد خسرت طاقاتهم ودافعهم الحقيقي للعطاء.
وتشير الدراسات أن المؤسسات التي تنجح في بناء الثقة تحقق مستويات أعلى من الاندماج الوظيفي والإنتاجية، وتكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بالكفاءات.
كما تكشف هذه الدراسات عن وجود فجوة بين ما تعتقده القيادات بشأن مستوى الثقة داخل مؤسساتها، وما يعيشه الموظفون في الواقع، وهو ما يجعل تراجع الثقة يمر أحياناً دون أن تلتفت إليه الإدارة إلا بعد ظهور نتائجه.
وفي النهاية، قد تنجح المؤسسة في الاحتفاظ بموظفيها سنوات طويلة، لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد من بقوا، بل بحجم ما يقدمونه.
فالثقة تعد من أهم الأسس التي تعزز عطاء الموظف.
لذلك، فإن الاحتفاظ بالموظفين لا يعني بالضرورة الاحتفاظ بعطائهم، وهنا تكمن الخسارة التي لا تُرى.
هذا الموضوع من مدونات القراء ترحب" البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك