في غضون أسابيع قليلة، انتقلت إسرائيل في مدينة الخليل من قرارات على الورق إلى تغييرات على الأرض.
فبعد إعلان وزير المالية والوزير في وزارة الدفاع بتسلئيل سموتريتش سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل، بدأ الجيش الإسرائيلي إزالة المظلة في صحن المسجد الإبراهيمي تمهيدا لتسقيفه، وأقر أول مبنى ديني يهودي في المدينة دون موافقة بلديتها.
ثلاث خطوات متلاحقة، يقرأ فيها الفلسطينيون تفكيكا للإطار الذي نظم إدارة المدينة طوال نحو ثلاثة عقود، وفرضا لواقع تهويدي داخل أحد أقدس المواقع الإسلامية في فلسطين.
لم تأتِ خطوة يونيو/حزيران فجأة، بل كانت المحطة الأخيرة في مسار تدرج على مدى أشهر:يناير/كانون الثاني الماضي: صادق المجلس الأعلى للتخطيط في" الإدارة المدنية" التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط المتعلقة بالمسجد من بلدية الخليل، بذريعة" تسهيل إصدار رخصة بناء لمشروع تسقيف صحن المسجد"، بعد رفض البلدية طلبات إسرائيلية متكررة لتنفيذه.
فبراير/شباط الماضي: أقر المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية" الكابينت" حزمة قرارات، منها إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود في الضفة، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في الخليل من البلدية إلى" الإدارة المدنية" الإسرائيلية.
15 يونيو/حزيران الجاري: أعلن سموتريتش، خلال افتتاحه مستوطنة" دورين" في جبل الخليل، إتمام إجراءات إلغاء بنود التخطيط المدني والبناء المنصوص عليها في اتفاق الخليل لعام 1997، ونقل المسؤولية كاملة إلى إسرائيل، وفق القناة 12 الإسرائيلية.
غداة الإعلان: أقرت اللجنة العليا للتخطيط بناء مدرسة" شافي حفرون" الدينية بمساحة نحو ألف متر مربع قرب مستوطنة" بيت رومانو"، دون موافقة البلدية، ضمن حزمة شملت 576 وحدة استيطانية جديدة في الضفة، إضافة إلى 456 وحدة في" متسبيه يريحو" و120 في" كارني شومرون"، وفق القناة السابعة العبرية.
وقال سموتريتش حينها: " نطبق سيادة فعلية عبر الاستيطان".
23 يونيو/حزيران الجاري: قالت وزارة الأوقاف الفلسطينية إن الجيش بدأ إزالة المظلة في صحن المسجد الإبراهيمي تمهيدا لتسقيفه.
الخليل والحساسية الاستثنائيةلفهم حساسية القرارات الإسرائيلية الأخيرة، لا بد من التوقف عند خصوصية الخليل نفسها، فهي ليست مدينة عادية في الضفة الغربية، كما أن المسجد الإبراهيمي ليس مجرد موقع ديني، بل مركز صراع مفتوح على السيادة والهوية وإدارة المكان.
يقع المسجد في البلدة القديمة بالخليل، في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية يقيم فيها نحو 400 مستوطن يحرسهم قرابة 1500 جندي.
كما أن الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي يعيش المستوطنون داخل مركزها القديم، ما جعلها نقطة احتكاك دائمة بين الفلسطينيين والمستوطنين وقوات الاحتلال.
وفي عام 2017، أدرجت" يونسكو" البلدة القديمة، بما يشمل المسجد، على قائمتي التراث العالمي والتراث المهدد بالخطر.
وهذه الحساسية ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عام 1994، حين ارتكب مستوطن يهودي مجزرة داخل المسجد قتل فيها 29 مصليا فلسطينيا.
وعقبها قسمت إسرائيل المسجد بواقع 63% لليهود و37% للمسلمين، وفرضت واقعا مكانيا وزمانيا يتيح إغلاقه أمام المسلمين في مناسبات يهودية وفتحه أمام المستوطنين.
ولا يزال هذا الواقع قائما وسط قيود متزايدة على دخول المصلين، وسيطرة الجيش على المداخل والحواجز المؤدية إليه، ومنع الأذان مرارا.
بروتوكول الخليل.
ماذا يعني سحب الصلاحيات؟أبرم" بروتوكول الخليل" في 17 يناير/كانون الثاني 1997 بين منظمة التحرير وإسرائيل ضمن ترتيبات أوسلو، بعد توترات أعقبت مجزرة 1994.
وبموجبه قسمت المدينة إلى" إتش 1″ الخاضعة للسيطرة الفلسطينية المدنية والأمنية (نحو 80% من المساحة)، و" إتش 2" الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وتضم البلدة القديمة والمسجد ومناطق المستوطنين.
ورغم السيطرة الأمنية على" إتش 2″، نص البروتوكول على بقاء صلاحيات مدنية بيد الفلسطينيين فيها، بينها البناء والتخطيط والبنية التحتية والمياه والكهرباء والخدمات، باستثناء ما يتعلق بالإسرائيليين وممتلكاتهم.
وهذه الصلاحية تحديدا يستهدفها القرار الأخير.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن الخطوة سياسية تستهدف تقليص دور المؤسسات الفلسطينية وتوسيع نفوذ المستوطنين، ويخشون أن تتكامل مع التوسع الاستيطاني لتغيير الوضع القائم في المسجد وصولا إلى تحويله إلى" كنيس يهودي"، وتفريغ المنطقة من سكانها، وتمهيد ضم الضفة رسميا.
اتهم مدير المسجد الإبراهيمي معتز أبو سنينة إسرائيل بـ" استغلال الظروف السياسية لفرض وقائع جديدة داخل الحرم الإبراهيمي"، وقال إن الاحتلال" يسابق الزمن ويستغل الظروف الصعبة على المستوى العالمي لتمرير مخططاته التهويدية".
وأكدت وزارة الأوقاف أن المسجد" وقف إسلامي خالص بكل ساحاته وأروقته وجدرانه"، ووصفت إزالة المظلة بأنها" جريمة تهويدية جديدة".
وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن سحب الصلاحيات يمس اتفاقات وقعت برعاية دولية وبمشاركة الإدارة الأميركية، ويشكل" تجاوزا خطيرا"، داعيا واشنطن إلى تحمل مسؤولياتها، وإلى منع الإجراءات الأحادية والحفاظ على الوضع القائم.
وأكدت الخارجية الفلسطينية أنه" لا سيادة لإسرائيل على أي جزء من مدينة الخليل"، وأن حقوق الفلسطينيين فيها" أكبر بكثير من الاتفاقات الموقعة، بما فيها اتفاق الخليل".
أما حركة حماس فعدت إجراءات سموتريتش" تصعيدا سياسيا وميدانيا غير مسبوق" يهدف إلى تسريع الضم والتهجير، ودعت إلى تصعيد المواجهة، وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتحرك العاجل.
الرواية الإسرائيلية والمفارقة الداخليةلم تكن الرواية الإسرائيلية موحدة في توصيف الخطوة، فبينما أعلن سموتريتش إلغاء بنود من اتفاق الخليل، خرجت الخارجية الإسرائيلية ببيان قالت فيه إنه" على عكس ما صرح به وزير المالية، لم يتم إلغاء اتفاق الخليل"، وإن ما جرى هو قرار اتخذه" الكابينت" قبل أشهر، ويتعلق بصلاحيات التخطيط والبناء فيما يخص" المجتمع اليهودي في الخليل ومواقع التراث اليهودي".
غير أن هذا الاختلاف في الصياغة لا يغير جوهر المسار على الأرض، فسواء قدمت الخطوة باعتبارها إلغاء لبنود من الاتفاق، أو نقلا لصلاحيات محددة في ملفات التخطيط والبناء، فإن النتيجة العملية واحدة: تقليص دور بلدية الخليل في قلب البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، ونقل القرار التخطيطي إلى السلطات الإسرائيلية.
وقد ظهر الأثر سريعا مع إقرار أول مبنى ديني يهودي في الخليل دون موافقة البلدية.
ومع انتقال القرار التخطيطي إلى يد إسرائيل، يصبح الطريق مفتوحا أمام مزيد من المشاريع الاستيطانية والتغييرات الهندسية، وفي مقدمتها مشروع تسقيف صحن المسجد الإبراهيمي الذي بدأت تمهيداته بإزالة المظلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك