تستعد الجزائر، في الثاني من يوليو/تموز المقبل، لتنظيم انتخابات تشريعية تُعدّ الثانية منذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2019، الذي أسفر عن الإطاحة بالرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، غير أنّ هذا الاستحقاق يواجه منذ بدايته جدلاً واسعاً، عقب قرارات استبعاد طالت آلاف المترشحين.
وأثارت عملية" غربلة" القوائم الانتخابية موجة من الانتقادات، حيث أعربت أطراف سياسية عن تخوفها من أن تؤثر هذه الخطوة سلباً على التعددية الحزبية ونسبة المشاركة.
وتأتي هذه الانتخابات بعد خمس سنوات من الاستحقاق التشريعي المبكر الذي أُجري عام 2021، في سياق سياسي شهد إعادة تشكيل للإطارين الدستوري والمؤسساتي من قبل السلطة الجزائرية، التي تؤكد أن هذه الإصلاحات، بما في ذلك مراجعة قانون الانتخابات والتعديلات الدستورية، تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان نزاهة العملية الانتخابية، إضافة إلى مكافحة مظاهر الفساد السياسي.
في الجزائر، يذهب عدد من المراقبين إلى أن هذه الانتخابات اتسمت بهدوء غير معتاد، إذ غابت عنها السجالات الحادة والنقاشات السياسية التي غالبًا ما ترافق مثل هذه الاستحقاقات.
ورغم أن الانتخابات التشريعية لا تحظى تقليديًا بالزخم نفسه الذي تشهده الرئاسيات أو المحليات لدى الناخب الجزائري، فإن الحملات السابقة كانت تشهد عادةً نقاشات حول ملفات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وهو ما لم يظهر بالحدة نفسها خلال هذه الحملة.
ووفقًا للمعطيات الرسمية الصادرة عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، يُقدَّر عدد الناخبين في الجزائر بـ24 مليونًا و727 ألفًا و41 ناخبًا، منهم 869 ألفًا و242 ناخبًا مسجلين خارج البلاد.
وكانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، قد أعلنت أنها قامت بدراسة 788 ملفاً انتخابياً، تضم في مجملها 10,168 مرشّحاً.
وفي هذا السياق، يتنافس في الاستحقاق الانتخابي 66 قائمة تضم أحزاباً سياسية وقوائم مستقلة.
وقد أثار حجم الملفات المرفوضة ردود فعل في الأوساط السياسية، حيث تجاوز عدد المستبعدين بموجب تطبيق" المادة 200" ثلاثة آلاف مرشّح، ما يعني استبعاد ما يقارب نصف الراغبين في خوض السباق لنيل مقعد نيابي.
فما هي المادة 200 التي استندت إليها السلطات لإبعاد مرشحين؟قبل أكثر من سنة، كان النواب قد صادقوا على هذه المادة، غير أن كثيرين لم يتوقعوا أن تتحول لاحقاً إلى" أداةٍ إقصائية"، بعدما شملت قرارات الرفض بعضاً ممن كانوا من أبرز الداعمين لها خلال عملية التصويت في البرلمان.
ووجد بعض النواب أنفسهم أمام نص قانوني ساهموا في إقراره، لكنه أصبح جزءاً من الجدل الذي يرافق ملفات ترشحهم.
و" المادة 200" من قانون الانتخابات، وهي نص تشريعي وُلد في الأصل كأداة" تطهير" لمحاربة المال الفاسد وضبط الولاءات، لكنها ارتدّت اليوم لتطال نفس النواب الذين صوّتوا لصالحها.
فهذه المادة تنص على إقصاء كل من تلاحقه شبهات الارتباط بأوساط مالية مشبوهة، أو من يُشتبه في قدرته على التأثير في نزاهة الاقتراع.
كما تُعدّ من أكثر الموادّ تقييداً داخل القانون الانتخابي، إذ تفرض أيضاً قيوداً تتعلق بعدد الولايات البرلمانية، سواء المتتالية أو المنفصلة، بحيث لا تتجاوز ولايتين.
غير أن اتساع رقعة الاستبعاد جعل من هذه المادة محوراً لجدل وطني حول طبيعة" النزاهة" التي تسعى السلطة لفرضها، وحدود الحرية التي يفترض أن يوفرها الدستور للمترشحين.
في المقابل، تؤكد السلطات الجزائرية أن جميع الإجراءات المتخذة في إطار دراسة ملفات الترشح تندرج ضمن هدف" تطهير الحياة السياسية" ومنع المال الفاسد من التأثير على مسار العملية الانتخابية، بما يضمن" تعزيز نزاهة التنافس الانتخابي وإعادة الثقة في المؤسسات التمثيلية".
وفي هذا السياق، دافع رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، كريم خلفان، عن هذه الإجراءات في أكثر من مناسبة، مؤكداً في تصريحاته أن المادة محلّ الجدل تأتي ضمن الإطار القانوني الذي اعتمدته الدولة لمكافحة المال السياسي غير المشروع وترسيخ مبادئ الشفافية في الحياة العامة.
وشدد خلفان على أن مهمة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تقتصر على التطبيق الدقيق للقانون للانتخابات وضمان الالتزام بالمعايير القانونية للترشح، مؤكداً أن دورها تنظيمي بحْت وبعيدٌ كل البعد عن ممارسات الإقصاء.
وأشار المسؤول المذكور إلى أن عملية دراسة ملفات الترشح تمر عبر سلسلة من المراحل الدقيقة، تشمل التحقق من استيفاء العدد المطلوب من استمارات التوقيعات الفردية، والتأكد من احترام نسب تمثيل الشباب والنساء وحملة الشهادات الجامعية، إضافة إلى التدقيق في الوضعية الجبائية للمترشحين ومدى مطابقتها للالتزامات القانونية.
وأكد خلفان أن قرار قبول أو رفض أي ملف لا يُتخذ بشكل اعتباطي.
معارضون: نص" فضفاض" وأداة لـ" سحق" الحقوقعلى الجانب الآخر، يرى معارضو النص أن المادة 200 تعاني من غموض تشريعي، مما يجعلها عرضة للاستغلال في سياقات سياسية وتأويلات متباينة.
ويرى منتقدو هذه المادة أن صياغتها الفضفاضة تنعكس على مبدأ تكافؤ الفرص.
ومنذ 31 مايو/أيار، أي في اليوم التالي للإعلان عن قوائم المرشحين المقبولين، شهدت المحاكم الإدارية في الجزائر العاصمة حضوراً مكثفاً للمحامين الموكلين عن الأسماء المستبعدة، في ظل موجة طعون قانونية.
وطالب هؤلاء بإلزام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بتقديم أدلة واضحة تثبت الشبهات التي استندت إليها في قرارات الرفض، معتبرين أن غياب التوضيح يضعف شفافية العملية.
في السياق ذاته، حذّرت أحزاب سياسية من" انزلاق خطير" قد يمسّ جوهر المسار الانتخابي، فيما اتهمت قوى معارضة أخرى السلطات بـ" تفكيك البنية الحزبية" عبر استبعاد عدد كبير من القيادات والمرشحين المؤثرين داخل تشكيلاتها.
ووصف حزب العمال (اليساري) المادة 200 بأنها تحوّلت إلى" أداة لسحق" الحقوق السياسية والدستورية للمترشحين، مشيراً إلى أن عدداً منهم استُبعد رغم عدم صدور أي أحكام قضائية نهائية بحقهم أو ملاحقات قانونية مثبتة.
ودعا الحزب الرئيس عبد المجيد تبون إلى التدخل لوقف ما وصفه بـ" المجزرة السياسية" التي تطال الاستحقاق نفسه، مطالباً بتجميد العمل بالمادة 200 وبقية النصوص المثيرة للجدل، وإعادة الاعتبار للمترشحين قبل انطلاق الحملة الانتخابية.
وندد حزب" جيل جديد" بما اعتبره" مناورة سياسية متعمدة"، مشيراً إلى أن إشعارات رفض الترشح صدرت عشية عيد الأضحى، ما حدّ عملياً من قدرة المترشحين على ممارسة حق الطعن ضمن الآجال القانونية.
نائب هذا الحزب زهير تويس، اعتبر أن تطبيق المادة 200" يعطي انطباعاً لدى الرأي العام بوجود ارتباطات بالمال الفاسد"، واصفاً ذلك بأنه" تشهير سياسي" في ظل غياب معطيات علنية تثبت هذه الاتهامات، كما أكّد أن قرارات الرفض، وفق المعارضة، تفتقر إلى الشفافية وقابلية التحقق.
من جانبها، حذرت حركة مجتمع السلم (المحسوبة على التيار الإسلامي) من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات، فيما انتقد حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (المعارضة العلمانية) ما وصفه بتنامي دور الإدارة في عملية اختيار المرشحين، معتبراً أن" صوت الناخب يفقد معناه عندما تُحسم خيارات الترشح قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع".
كما عبّرت أحزاب معارضة أخرى عن أسفها لما وصفته بـ" تراجع استقلالية السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات"، معتبرة أن التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات" أعادت جزءاً من صلاحياتها إلى وزارة الداخلية، خاصة في ما يتعلق بالإشراف والتنظيم".
ويعزو مراقبون الانخفاض الملحوظ في أعداد المترشحين إلى تحولات سياسية جوهرية شهدتها البلاد منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد الحكم في عام 2019، حيث يُنظر إلى هذه التطورات بوصفها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة المجال السياسي، وتكريس نهج أكثر صرامة في تنظيم المشاركة الانتخابية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك