بعد مضي ثلاثة أيام من الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الكولومبية، اعترف إيفان سيبيدا الأربعاء 24 يونيو/حزيران بخسارته أمام مرشح اليمين المتطرف، أبيلاردو دي لا إسبريلا.
يمنح هذا الفوز دونالد ترامب، الذي يطمح إلى استقطاب الحلفاء الإيديولوجيين في أمريكا اللاتينية، موطئ قدم جديد في هذه المنطقة.
قبل بضعة أعوام، أوصلت" موجة حمراء" عدة قادة من اليسار إلى سدة الحكم في عدة دول بالمنطقة.
لكن الآن، لم يتبق منهم سوى أقل من ستة، فيما يسعى ترامب بشكل تدريجي لإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لرؤيته، دون أن يتوانى عند اللجوء إلى التهديد واستخدام وسائل إكراه مختلفة.
في الواقع، شكّلت انتخابات التجديد النصفي في الأرجنتين، التي تم تنظيمها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وراهن فيها خافيير ميلي على جدوى مشروعه السياسي، اختبارًا لترامب سمح له بتقييم مشروعه الجيوسياسي.
وكان ترامب توعّد قبل تلك الانتخابات، خلال غداء جمعه بنظيره الأرجنتيني في البيت الأبيض: " لن نسمح لأحد بالوصول إلى السلطة وإساءة استخدام أموال دافعي الضرائب في هذا البلد.
في حال خسر معسكر [خافيير ميلي – ملاحظة المحرر]، فلن نكون متساهلين مع الأرجنتين"، التي كانت تحاول أصلاً إنقاذ حزمة مساعدات بقيمة 20 مليار دولار مخصصة لمعالجة أزمة السيولة التي تعانيها.
اقرأ أيضاواشنطن توجه اتهامات للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو على خلفية حادثة تعود إلى عام 1996خلال ذلك الاجتماع، وصف ترامب ميلي بأنه" مؤيد حقيقي لحركة ماغا [اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى – ملاحظة المحرر]"، وأثبت هذا السياسي التحرري صحة كلام ترامب خصوصًا بسبب مضاعفته التخفيضات في الإنفاق العام، بما في ذلك تسريح العمال وإلغاء الاستثمارات في البنى التحتية وفي البرامج الاجتماعية.
قادة عدة يتبنون أيديولوجية ترامبوكما فعل مع الأرجنتين، تعامل ترامب بالمثل مع الإكوادور خلال اجتماع في منتجعه مارالاغو بفلوريدا مع دانيال نوبوا [الرئيس الإكوادوري – ملاحظة المحرر]"، قبل أيام من موعد الانتخابات الرئاسية في هذا البلد، كما فعل نفس الشيء مع هندوراس التي هددها صراحةً بقطع المساعدات في حال خسارة المرشح الرئاسي نصري عصفورة.
ومؤخرًا، واصل ترامب انتهاج نفس الأسلوب مع كولومبيا هي الأخرى، حيث أبدى دعمه الكامل للمرشح الرئاسي أبيلاردو دي لا إسبريا واصفا إياه بأنه" الزعيم الذكي والقوي" ومهددًا في نفس الوقت بإلغاء ملايين الدولارات من المساعدات العسكرية في حال فوز المرشح اليساري إيفان سيبيدا.
وكان لا إسبريا فاز بتلك الانتخابات.
لكن ترامب كان فعلاً قد بدأ في تحريك" بيادقه" من ذلك: نجيب بوكيلي (السلفادور)، رودريغو تشافيز (كوستاريكا)، سانتياغو بينا (باراغواي)، ولويس أبينادر (جمهورية الدومينيكان).
كما لم يصعب عليه إقناع رئيس بنما راؤول مولينو بأهمية مكافحة النفوذ الصيني في المنطقة.
لاحقًا، ما انفك قادة آخرون ذوو توجهات إيديولوجية مماثلة لترامب يلتحقون بهذه الموجة، على غرار الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست، والبوليفي رودريغو باز، اللذين وصلا إلى السلطة دون دعم ترامب، لكنهما يؤيدان رغم ذلك سياسات الرئيس الأمريكي بشكل واضح.
لكن لا يمكن بعد الحديث عن وجود تعددية لأطراف جديدة في هذه المنطقة، بحسب ما أوضحت مونيكا هيرست، الخبيرة في الدراسات الاستراتيجية بمعهد العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة ولاية ريو دي جانيرو، لشبكة CNN.
حيث قالت في هذا الشأن: " كل رابط [بين هذه الدول – ملاحظة المحرر] هو حالة فريدة من نوعها، وكل علاقات يتم التفاوض عليها مباشرة، دون إطار جماعي".
في المقابل رأت أن" واقعًا جديدًا يُشبه نظامًا عالميًا جديدا" يتشكل بشكل تدريجي.
البرازيل على موعد مع انتخابات مصيريةنجحت الإدارة الأمريكية في توحيد جهود دول عدة ضمن المبادرة الأمنية" درع الأمريكتين" التي أطلقها البيت الأبيض، وتقوم على إطار عسكري وأمني موحد، وحتى عبر إضافة بعض الشركاء من خارج أمريكا اللاتينية، مثل غيانا وترينيداد وتوباغو.
إلا أن الخطوة الأبرز على الساحة الإقليمية، والتي كشفت عن مدى استعداد ترامب للذهاب إلى أبعد حد بهدف تشكيل شبكة نفوذه عبر أمريكا اللاتينية، تجسدت في العملية التي نفّذتها القوات الأمريكية الخاصة في 3 يناير/كانون الثاني، وتم على إثرها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في بلده وملجئه في كاراكاس، ومن ثمة نقله إلى نيويورك، أين يواجه اتهامات أبرزها تهريب المخدرات والأسلحة.
وحتى ولو أن خليفته، ديلسي رودريغيز، لم تبد بشكل علني وصريح انضواءها تحت لواء اليمين المتطرف الأمريكي الجديد بقيادة ترامب، إلا أنها لا تتصرف سوى بشكل يتناغم مع هوى واشنطن.
حيث أقرّت مؤخرًا إصلاحات على قوانين استغلال الموارد الهيدروكربونية والمعادن، ما يفتح الطريق أمام المشاريع الاستثمارية الأمريكية.
اقرأ أيضاما أهمية قناة بنما وهل تتحول إلى ساحة جديدة لمعارك ترامب ضد الصين؟على كل حال، بعد التحاق دي لا إسبريلا بتيار ترامب في المنطقة والفوز المتوقع لكيكو فوجيموري في بيرو، تبقى البرازيل آخر حليف يساري رئيسي للرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم.
لكن البرازيل هي أيضًا على موعد في ظرف أربعة أشهر مع انتخابات رئاسية حاسمة، يُعتبر فلافيو بولسونارو، أحد أبناء الرئيس السابق جاير بولسونارو، من أبرز المرشحين فيها.
أخيرًا، تبقى كوبا، المعقل الذي تتوق إليه الولايات المتحدة بشدة بعيدة المنال لحد اليوم.
فحتى ولو أن الجزيرة أدخلت إصلاحات اقتصادية لفتح سوقها الداخلي أمام الاستثمار الأمريكي بشكل واسع النطاق، إلا أنها لا تزال تقاوم الضغوط الرامية إلى تغيير نظامها، وأهواء ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو.
قواسم مشتركة للسائرين في الركب الترامبي الإقليمييشكل التصدي لانعدام الأمن أبرز ما يميز الخطاب المشترك للاعبين الجدد في عالم ترامب الإقليمي.
حيث أقدم نجيب بوكيلي على سجن ما يناهز 2 بالمئة من سكان بلده السلفادور.
من جانبه، يؤيد دي لا إسبريلا وفوجيموري نموذج السجون الضخمة لمواجهة ظواهر مثل تهريب المخدرات، فيما حقق كاست انتصارًا من خلال وصم الهجرة وتحميلها المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة في تشيلي.
تعقيبا، قال أنتوني بيريرا، خبير دراسات أمريكا اللاتينية في جامعة تولين في لويزيانا، إن أبرز المشاكل التي تعاني منها أحزاب اليسار في أمريكا الجنوبية حاليا هي تقلب أسعار المواد الأولية.
فحين كانت مرتفعة، أمكن تنفيذ برامج المساعدات، ورفع الرواتب، وتحسين فرص الحصول على التعليم وما إلى ذلك.
كما تراجع عدد الفقراء، واكتسبت الحركات التقدمية زخمًا بالمنطقة.
لكن حين بات يستحيل الحفاظ على هذه البرامج بسبب انخفاض الأسعار، " تحوّل تفاؤل سنوات 2010 إلى خيبة أمل".
بالموازاة مع ذلك، " تفاقمت الجريمة المنظمة وتمكنت من السيطرة على أحياء بأكملها، بل وحتى السجون.
وبدأ الناخبون يستجيبون بحماس أكبر للمرشحين الذين يعرضون أنفسهم كمعارضين للنظام"، يشرح بيريرا.
لكن استراتيجية استعادة السلام بالقوة، أي عسكرة الدول لمكافحة الجريمة المنظمة، التي اعتمدها أغلب قادة اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية السائرين في فلك ترامب، أثبتت أنها غير كافية للتصدي لظاهرة باتت متنوعة بشكل هائل خلال السنوات الأخيرة، من ذلك: تفاقم حالات ابتزاز السائقين في شوارع ليما وصولًا إلى سيطرة العصابات المسلحة على مناجم الذهب في فنزويلا.
إلى جانب ذلك، فإن التيارات اليمينية هي الأخرى قد تصاب أيضًا بالخيبة نفسها التي أصابت الحكومات اليسارية حينما انخفضت أسعار المواد الأولية، ما يعني أنها ستعجز عن الإيفاء بوعودها الانتخابية وتصطدم بعقبات خصوصًا تلك المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة.
هذه الظاهرة، عايشها رودريغو باث في بوليفيا، مع أكثر من 50 يومًا من الاحتجاجات ضد سياسته، وأيضًا كاست في تشيلي الذي شاهد شعبيته تتدهور بشكل حاد خلال أول 100 يوم له في منصبه.
أما في الإكوادور بقيادة حكومة نوبوا، فتتزايد عمليات حظر التجوال نتيجةً لعجز الحكومة عن خفض معدل جرائم القتل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك