أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق عاجل في حادث فقدان هاتف عسكري سري يحتوي على معلومات مؤمنة، بعد أن استولى عليه أحد السكان السوريين خلال اشتباكات اندلعت مع قوات إسرائيلية توغلت في ريف درعا الجنوبي.
وتأتي هذه الحادثة في سياق عمليات توغل يومية تقوم بها القوات الإسرائيلية في الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، شملت دوريات متكررة، وجرفاً للأراضي، وتفتيشاً للمدنيين، واعتقالات تنتهي غالباً بالإفراج عنهم بعد ساعات، إلا أنها تتصاعد أحياناً إلى مواجهات مسلحة كما حدث هذا الأسبوع.
وبدأت الواقعة الأخيرة باستهداف موقع إسرائيلي مستحدث أقامته القوات على مرتفع" تل قدنا" بأعيرة نارية، ليرد الجيش بقصف مدفعي وقذائف هاون، تبعته غارة لمروحية هجومية أجبرت سكان قرية" عابدين" والمناطق المحيطة على النزوح الجماعي.
وفي خضم الفوضى وتراجع القوات أمام تجمع مدني، أفاد جندي احتياط إسرائيلي لموقع" واينت" (ynet) بأن أحد الجنود فقد هاتفه العسكري السري الذي سقط في أيدي السكان.
وقال الجندي إنهم أدركوا فقدان الجهاز بسرعة وتم إغلاقه عن بُعد للحد من الضرر، مشيراً إلى أن الأيام الحالية تشهد نشاطاً مفاجئاً في القطاع.
ولم يفصل الجيش الإسرائيلي في بيانه الإجراءات المحددة لمنع تسرب المعلومات، مكتفياً بالإشارة إلى أن الحادث" معروف ويجري التحقيق فيه عبر القنوات المختصة".
وفي المقابل، نشرت قنوات سورية لقطات تظهر أسلحة ومعدات، بما في ذلك الفيديو الخاص بالهاتف المفقود، بالإضافة إلى مواد غذائية زُعم أن القوات الإسرائيلية تركتها في منطقة" تل المغر" غرب عابدين أثناء انسحابها.
روايات متضاربة حول طبيعة الحدثواختلفت الروايات حول ملابسات المواجهة؛ فبينما وصف جنود إسرائيليون الوضع برد فعل على إطلاق نار واضطرارهم للتراجع أمام حشود مدنية، أكد الإعلام السوري أن القوات الإسرائيلية هاجمت طاقم قناة" الإخبارية" وصحفيين آخرين كانوا يغطون ما وصفوه بـ" غزو" القوات للقرية، دون الإبلاغ عن إصابات بين الصحفيين.
ونشر الوسائل الإعلامية صوراً لحجارة وضعها أطفال وسكان في طرق القوات في محاولة لعرقلة تقدمها، معلقين بأن الأرض" لا تمنح الغزاة ممراً آمناً".
وعقب القصف، غادر سكان عابدين منازلهم بشكل جماعي، حيث ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية" سانا" أن القرية أُخليت بالكامل.
وقال أحد السكان العائدين تحت مراقبة قوات الأمم المتحدة (أندوف): " تم إخلاء البلدة بالكامل.
لم يبقَ أحد"، بينما عبر آخر عن انعدام الأمان قائلاً: " لا يوجد راحة بال.
تخاف على والدتك وعائلتك".
وأكدت مقاطع مصورة مقابلات مع أطفال قالوا إنهم شاركوا في رمي الحجارة لطرد الجنود من قريتهم.
نمط التوغل اليومي والسيطرة الميدانيةوتتواصل العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا بنمط يومي ووثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان أكثر من 60 توغلاً منها خلال شهر يونيو الماضي فقط.
وتشمل هذه العمليات إنشاء نقاط تفتيش جديدة قرب عابدين، والسيطرة على المرتفعات ومداخل القرى والطرق الاستراتيجية، مع الحفاظ على حرية الحركة الجوية وقدرة سريعة على الدخول والخروج.
ويرى المرصد أن" هذا النمط قد يؤسس لواقع أمني جديد يحد من قدرة السلطات السورية على تركيز قواتها في المنطقة أو استخدامها كنقطة انطلاق نحو السويداء، وذلك دون إعلان احتلال رسمي أو إدارة مباشرة للسكان".
إدانة رسمية وتصاعد الخطاب السياسيوأدانت وزارة الخارجية السورية الهجمات والتوغلات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، معتبرة أن استمرار هذه الأساليب يقوض جهود إرساء الأمن ويزيد من معاناة المدنيين.
ويتزامن هذا التصعيد مع تعثر المفاوضات بين إسرائيل وسوريا، واكتساب الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع شرعية متزايدة دفعته لاتخاذ موقف معارض علني للوجود الإسرائيلي.
في تحذير شديد اللهجة نقلته صحيفة" الأخبار" اللبنانية، أكد الشرع أن إسرائيل تسعى لـ" انتزاع تنازلات تدريجية أحادية الجانب دون ضمانات متبادلة"، كما حمّل الاتحاد الأوروبي مسؤولية مباشرة عن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية التي تهدد استقرار سوريا وتعيق جهود إعادة الإعمار فيها.
تحذيرات من تداعيات البقاء العسكريمن جهته حلل المقدم المتقاعد إيال درور، الذي كان مسؤولاً عن ملف التواصل مع الفصائل في سوريا ضمن الجيش الإسرائيلي، الوضع قائلاً إن البقاء العسكري المطول في مناطق ذات غالبية سكانية معادية يحمل مخاطر عالية.
وأشار إلى أن" منطقة عابدين تتميز بطبيعة سكانية ريفية ومتدينة، وكانت سابقاً معقلاً لتنظيم داعش وفق وصفه، مما يجعل أي قوة خارجية تُعتبر غازية من قبل السكان الذين يرون في الوجود الحالي احتلالاً لأرض تحررت من نظام الأسد".
وحذر درور من أن" استمرار الوجود الإسرائيلي دون حل دبلوماسي سيؤدي حتماً إلى تصعيد نوعي في أسلوب المقاومة المحلية، متوقعاً تحول رمي الحجارة إلى استخدام أسلحة مضادة للدبابات أو عبوات ناسفة، نظراً لامتلاك السكان لهذه القدرات وخبرتهم القتالية".
وأضاف أن العالم بدأ ينظر إلى إسرائيل كمحرض على الحرب في سوريا، خلافاً للوضع في لبنان، مشيراً إلى أن أي اتفاق مستقبلي للانسحاب قد يكلف إسرائيل ثمناً أكبر بسبب تراجع موقفها التفاوضي مع مرور الوقت وتقوية الخصوم المحليين والإقليميين لمواقعهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك