«نحتاج إلى اعتماد منظومة تسليح مستقلة خاصة بنا لتعزيز الاستقلالية في مجال إنتاج التسليح دون الاعتماد على الولايات المتحدة».
تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال لقاء الأسبوع الماضي مع دورة ضباط من احتياطي الجيش الإسرائيلي أضاف المزيد إلى مساحة التباين في التحليلات التي تناولت تطوراً غير مسبوق في العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية تحديداً منذ بدء الاعتداءات الوحشية، التي شنّتها إسرائيل على الجنوب اللبناني، وصولاً إلى التفاهم الذي تم توقيعه بين أمريكا وإيران.
لغة جديدة تداولها حليفان استراتيجيان تراوح تفسيرها بين تغيير جذري في الموقف الأمريكى تجاه إسرائيل، أو مجرد محاولة ضغط تجاوزت حدودها سياق خصوصية العلاقة التاريخية بين الطرفين.
الجدلية المثارة حول فهم طبيعة التصاعد في لغة الحوار بين أمريكا وإسرائيل ظهر وقعها الأكثر زخماً عبر وسائل الإعلام والشارع الإسرائيلي الذي بدا يراجع لأول مرة التمييز بين التحالف الوثيق مع أمريكا والاعتماد عليها.
لعل الصيغة الأقرب ظهرت في الامتثال الإسرائيلي المطلق للتوجيهات الأمريكية، ضماناً للحصول على الدعم العسكري المتدفّق على إسرائيل، الكثير من القرارات السياسية والعسكرية لم تعد تُتخذ داخل اجتماعات مجلس الوزراء أو الكنيست.
لعل أقرب مثال إعلان سحب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان رغم تأكيدات مختلفة من القادة العسكريين تجزم ببقاء القوات في المناطق التي قامت باحتلالها.
بالإضافة إلى عجز إدارة نتنياهو عن تقديم أدلة انتصار عسكري أو سياسي، باستثناء تدمير منشآت مدنية وارتكاب مجازر وحشية ضد مدنيين، حيث ربطت مذكرة التفاهم الأمريكى - الإيرانى بوقف إطلاق نار وانسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة جنوب لبنان.
بالتأكيد المذكرة وضعت العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية أمام اختبار غير مسبوق.
تهمة التبعية أضيفت إلى سابقة أزمات كثيرة تعصف بالكتلة اليمينية المتطرّفة التي يعلق عليها نتنياهو آماله للاحتفاظ بكرسي رئاسة الوزراء في الانتخابات القادمة، بالإضافة إلى حساب شديد ينتظر نتنياهو من الرأي العام -تحديداً أحزاب المعارضة- مفادها تفنيد وعوده عن تحقيق نصر كامل، سواء في إيران أو ضد حزب الله في لبنان.
نتنياهو المحاصر سياسياً وقضائياً لم تعد الورقة الوحيدة التي تجمع الرأى العام الإسرائيلي حوله تحتمل المزيد من المراوغة باستخدام نهج التعبئة ضد وجود تهديدات خارجية وإشعال الحروب على جبهات مختلفة، عجز عن منح الشارع الإسرائيلي الأمان الذي بشرهم به نتنياهو.
التضارب السائد بين الطرفين مفاده إقصاء أمريكا من حساباتها، مخاوف نتنياهو السياسية الشخصية مقابل إعطاء الأولوية لمصالحها في إتمام الاتفاق مع إيران لتفادى أزمة اقتصادية لن تستثني أياً من دول العالم.
إمعاناً في تهميش إسرائيل خلال كل المفاوضات التي انتهت بتوقيع مذكرة التفاهم، لم يتوقف ترامب عن تذكير نتنياهو بأنه كرئيس أمريكا وليس إسرائيل صاحب اليد العليا في إنهاء أو إشعال صراعات المنطقة.
المناوشات الكلامية أو الهاتفية المتبادلة بين ترامب ونتنياهو لا يمكن وصفها بالتغيير الجذري في العلاقات بين البلدين بقدر ما تعكس منطقة تضارب مصالح.
أمريكا تشهد حالة استقطاب غير مسبوقة، سواء داخل الإدارة لتشمل مؤسسات صنع القرار مع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم.
حالة تجاوزت الحزبين الديمقراطي والجمهوري لتندلع داخل الحزب الثاني.
إذ يقف ترامب بين تيارين يمثلهما أقطاب حزبه، كتلة مؤيّدة رأت الاتفاق إنجازاً أمنياً، تحديداً بعد تصاعد أصوات الرأى العام حول جدوى ومكاسب هذه الحرب، وأخرى منتقدة اعتبرته تنازلاً منح إيران مكاسب كبيرة تدفع نحو التصعيد مع إيران والإذعان للمزاعم التي يحاول نتنياهو تسويقها لإشعال الحروب عبر الإيحاء بوجود أطراف تُهدّد الأمن القومي الإسرائيلي.
الانقسام داخل الجمهوريين كشفته تصريحات متباينة لنائب الرئيس الأمريكي فانس، ووزير الخارجية روبيو، وتعكس التباين بين تيار يدعو إلى سرعة الوصول لتفاهم مع إيران وتقليص مساحة الانخراط الأمريكى في الخارج وتيار آخر يتبنى نهجاً أكثر تشدّداً في السياسة الخارجية.
أخيراً تبقى الحقيقة الوحيدة التي تحكم مساحة الخلافات الحالية والقادمة بين الحليفين التاريخيين مدى تجاوب إسرائيل مع أولويات الرئيس الأمريكي في احتواء الانقسام السياسي والشعبي الداخلي، واحتواء الأزمات الاقتصادية الناجمة عن استمرار الصراعات والمناوشات العسكرية في المنطقة.
الأهم تأكيد ترامب الشق الدعائي في تسويق الاتفاق كانتصار شخصي وسياسي يُحسب له.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك