على امتداد أكثر من أربعين عاماً من العمل في هندسة المواقع المعمارية وتنسيق الحدائق العامة والمتنزهات في الأردن وحوض البحر الأبيض المتوسط، أتيحت لي فرصة متابعة التحولات العميقة التي شهدها هذا التخصص، والمساهمة في جانب من مسيرته المهنية.
وقد انتقل هذا المجال من كونه نشاطاً يقتصر على تجميل محيط المباني، إلى تخصص استراتيجي يسهم في تشكيل المدينة المعاصرة، ويؤثر بصورة مباشرة في جودة الحياة والهوية البيئية والحضرية للمجتمع.
اضافة اعلانلقد تغيرت النظرة إلى الفضاءات الخارجية بصورة جوهرية.
فالحديقة لم تعد مجرد مساحة خضراء، والساحة العامة لم تعد فراغاً بين المباني، بل أصبحت عناصر حضرية متكاملة تؤدي وظائف بيئية واجتماعية وثقافية واقتصادية.
وأصبح نجاح المدينة يقاس، إلى جانب بنيتها العمرانية، بقدرتها على توفير فضاءات عامة آمنة وجاذبة، تعزز التفاعل الإنساني، وتحترم البيئة، وتحقق التوازن بين التنمية والطبيعة.
وفي الأردن، شهدت العقود الماضية تطوراً واضحاً في مفهوم التخطيط الحضري، حيث ازداد الاهتمام بزراعة الأشجار، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين المشهد الحضري في المدن.
ولم تعد الشجرة عنصراً تجميلياً، بل أصبحت جزءاً من البنية التحتية البيئية للمدينة، بما تؤديه من دور في تحسين جودة الهواء، وتوفير الظلال، والحد من ارتفاع درجات الحرارة، وتعزيز الصحة العامة، ورفع جودة الحياة.
وقد كان لأمانة عمّان الكبرى دور محوري في هذا التحول من خلال تنفيذ برامج واسعة لتنسيق المواقع، وتجميل الشوارع والميادين، وإنشاء الحدائق العامة وتطويرها، وإدماج العناصر الطبيعية ضمن النسيج العمراني للعاصمة.
وأسهمت هذه الجهود في ترسيخ مفهوم المدينة الخضراء، وتعزيز حضور البيئة في الحياة اليومية للمواطن، بحيث أصبحت الطبيعة جزءاً أصيلاً من هوية المكان.
كما برزت في الأردن نماذج تنموية مهمة أكدت أهمية هندسة المواقع في تحقيق التنمية المستدامة.
فقد قدمت منطقة العقبة الخاصة نموذجاً متقدماً في توظيف الخصائص الطبيعية والواجهة البحرية لخدمة التنمية الحضرية والسياحية، بينما جاءت حدائق المبادرات الملكية لتعكس رؤية وطنية تؤمن بحق جميع المواطنين في الوصول إلى مساحات خضراء عالية الجودة، بوصفها جزءاً من التنمية الاجتماعية والبيئية.
وتجسد مشاريع مثل حديقة إربد الكبرى، ومشروع حديقة العقبة الكبرى الجاري تنفيذه، وحدائق النشامى، ومشاريع تطوير المناطق المفتوحة في محيط البحر الميت، هذا التحول في الفكر التخطيطي، حيث لم تعد هذه المشاريع مجرد حدائق، بل أصبحت محركات للحياة الحضرية، ومراكز للتفاعل الاجتماعي، وعناصر رئيسية في تشكيل الهوية البصرية والبيئية للمدن الأردنية.
وتفرض طبيعة الأردن، بما تتميز به من تنوع مناخي ومحدودية في الموارد المائية، مسؤولية خاصة على مهندسي المواقع.
ولذلك أصبحت الاستدامة الخيار الوحيد القادر على ضمان نجاح المشاريع واستمراريتها، من خلال الاعتماد على النباتات المحلية والمتأقلمة، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتطبيق أنظمة ري حديثة، وتصميم مساحات خضراء قادرة على التكيف مع الظروف البيئية المحلية دون الإخلال بقيمتها الجمالية أو الوظيفية.
وفي موازاة تطوير الحدائق داخل المدن، برز الدور الوطني الرائد للجمعية الملكية لحماية الطبيعة في إدارة المحميات الطبيعية والمحافظة على التنوع الحيوي.
وقد أثبتت التجربة الأردنية أن حماية البيئة لا تقتصر على صون المواقع الطبيعية، بل تمتد إلى نشر الثقافة البيئية، وتعزيز السياحة البيئية، وربط الإنسان بالطبيعة باعتبارها جزءاً من هويته الوطنية.
إن الحدائق الحضرية والمحميات الطبيعية ليستا مسارين منفصلين، بل تمثلان منظومة بيئية واحدة، هدفها بناء مدن أكثر صحة واستدامة، ومجتمع أكثر وعياً بقيمة الطبيعة وأهمية الحفاظ عليها.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور الذي تقوم به حكومة المملكة الأردنية الهاشمية في دعم سياسات التنمية المستدامة، والارتقاء بجودة البيئة الحضرية، من خلال تعزيز الاهتمام بالفراغات العامة، والتوسع في مشاريع التخضير، ودمج الاعتبارات البيئية في التخطيط العمراني.
فمستقبل المدن الحديثة لم يعد يعتمد على المباني والطرق وحدها، وإنما على قدرتها في تحقيق التوازن بين العمران والطبيعة.
وبعد أكثر من أربعة عقود من العمل في هذا المجال، أزداد قناعة بأن هندسة المواقع ليست مجرد مهنة، بل هي مسؤولية حضارية وإنسانية.
فهي العلم الذي يربط بين الإنسان والأرض، وبين التخطيط والبيئة، وبين احتياجات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
وكل شجرة تُزرع، وكل حديقة تُنشأ، وكل فضاء عام يُصمم بعناية، هو استثمار طويل الأمد في صحة الإنسان، واستقرار المجتمع، واستدامة المدينة.
لقد قطع الأردن شوطاً مهماً في هذا المجال، إلا أن المستقبل يحمل فرصاً أكبر، تتطلب استمرار الاستثمار في البنية التحتية الخضراء، وتطوير التشريعات، ودعم البحث العلمي، وتمكين الكفاءات الوطنية، حتى تصبح المدن الأردنية نموذجاً إقليمياً في الاستدامة وجودة الحياة، وتبقى البيئة ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الشاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك