تعذيب الصحفيين الفلسطينيين.
عندما تتحول الكلمة إلى جريمةداخل الوعي السياسي الفلسطيني، لم تكن الكلمات يوما ترفا فكريا، بل شكلت تاريخيا خط الدفاع الأول عن الوجود ذاته.
بالنسبة إلى جيل نضج وعيه على البث المباشر لقناة الجزيرة، لم تكن السترات الزرقاء وشارات" PRESS" البارزة مجرد هوية بصرية لمهنة محفوفة بالمخاطر، بل مثلت في الوعي الجمعي شكلا من أشكال الحصانة الدولية، وضمانا يحمي حامل الحقيقة من بطش القوة المنفلتة.
غير أن التحول الجذري والمنعطف الصادم الذي تعيشه اليوم كل من الحركة الأسيرة والصحافة الفلسطينية، ولا سيما في ظل حرب الإبادة الشاملة، أثبت أن القوانين الدولية التي صيغت في أروقة الأمم المتحدة عاجزة تماما عن الصمود أمام منظومة استعمارية حولت التعذيب الممنهج والقتل والتجويع إلى أدوات معلنة لكسر الإرادة وإسكات الرواية الفلسطينية.
خلف كل صحفي أسكت أو أصيب، تقف تفاصيل معقدة تعيشها العائلات بين غرف المستشفيات ومساكن بديلة فرضتها الحواجز وعنف المستوطنينإن تفكيك الخطاب السياسي والإعلامي الغربي بشأن ما يتعرض له الصحفيون والأسرى يكشف حجم الازدواجية والتواطؤ البنيوي.
ففي الوقت الذي يرثي فيه المجتمع الدولي مبادئ حرية التعبير ويستحضر قرار مجلس الأمن رقم 2222 الخاص بحماية الصحفيين في النزاعات المسلحة، يواصل التزام صمت مشلول أمام شهادات صادمة تحولت فيها أجساد الصحفيين إلى ساحات اختبار لأبشع أدوات التعذيب الجسدي والنفسي.
فما كان يرتكب سابقا في الخفاء أو تحت ذريعة" الحالات الاستثنائية"، أصبح اليوم سياسة معلنة ومنهجية تدار بتوجيهات من أعلى المستويات السياسية والأمنية لدى الاحتلال، وتحظى بحماية تشريعات قانونية داخلية تلتف على اتفاقية مناهضة التعذيب لتضفي الشرعية على الجريمة وتمنح مرتكبيها الحصانة.
ويتجسد هذا الواقع بوضوح في الشهادة الوثائقية للصحفي مجاهد بني مفلح، الذي أمضى 15 عاما في خدمة الحقيقة، قبل أن يعتقل في منتصف عام 2025، ويخرج بعد 6 أشهر بجسد منهك وشبه مشلول، وقد فقد القدرة على الكلام بسبب نزيف حاد في الدماغ، نجم عن التعذيب الممنهج والتجويع والإهمال الطبي المتعمد.
ولم تعد صورة جمجمته المتضررة بعد استئصال جزء منها مجرد تشخيص طبي، بل غدت" وثيقة سياسية" حية تدين المنظومة الدولية بأكملها.
وحين يعجز صحفي قضى حياته ناطقا بالحقيقة عن النطق، فيلجأ إلى رسم قناعاته على ورقة بيضاء ليؤكد أن" الاحتلال تعمد كسر إرادته"، فإن تلك الورقة تتجاوز كونها وسيلة شخصية للتعبير، لتتحول إلى بيان سياسي يكشف أساليب الاحتلال الهادفة إلى إفراغ المجتمع الفلسطيني من نخبه وأصواته الواعية.
وفي عمق هذه المأساة، تتجلى معاناة الحياة اليومية والأعباء التي تتحملها الأسرة والمحيط الاجتماعي للضحية.
فخلف كل صحفي أسكت أو أصيب، تقف تفاصيل معقدة تعيشها العائلات بين غرف المستشفيات ومساكن بديلة فرضتها الحواجز وعنف المستوطنين.
تحولت مقاومة التعليم والإعلام إلى فعل يومي من التحدي، يمارس بأبسط الأدوات في بيئات محرومة من الإنترنت والكهرباء، بهدف تفكيك الدعاية المضادة وإيصال الحقيقة إلى عالم يصر على إغلاق عينيهوتقف الزوجة شريكة في رحلة مريرة من التأهيل الوظيفي والنفسي، بينما يقضي الأطفال سنوات طفولتهم بين ممرات المستشفيات ورائحة الأدوية، بانتظار عمليات ترميم الجمجمة وعودة آبائهم إلى ما كانوا عليه.
وهذا التدمير المنهجي للبيئة الإنسانية والصحية والمهنية يدفعنا إلى إعادة التفكير في الجدوى الحقيقية للقوانين والحصانات الدولية، وفي مدى صلاحية التعويل على نظام عالمي ينظر إلى الشارات الصحفية بوصفها أهدافا مشروعة، ويقف عاجزا عن التمييز بين حماية الكلمة الموثقة وتقنين الجريمة السياسية.
وقد أسهم هذا الواقع المرير في إحداث تحول اجتماعي ونفسي عميق في بنية التفكير لدى الكوادر الصحفية والجيل الشاب في فلسطين.
فقد تلاشت أوهام" الحياد والموضوعية" التي روجت لها السرديات الغربية، وأدرك العاملون في المجال الإعلامي أن ممارسة الصحافة لم تعد مجرد خيار مهني أو شهادة أكاديمية، بل أصبحت مواجهة وجودية وواجبا وطنيا يتطلب صلابة نفسية لمواجهة" جلسات التعذيب الجماعي" وتهديدات الإخفاء القسري في مراكز الاحتجاز مثل" سديه تيمان" وغيرها.
وتتحول مقاومة التعليم والإعلام إلى فعل يومي من التحدي، يمارس بأبسط الأدوات في بيئات محرومة من الإنترنت والكهرباء، بهدف تفكيك الدعاية المضادة وإيصال الحقيقة إلى عالم يصر على إغلاق عينيه.
إن الخلاصة الإنسانية والسياسية التي نستخلصها من هذه الشهادات والوثائق هي أن معركة الكلمة في فلسطين تجاوزت حدود نقل الأخبار لتصبح معركة من أجل البقاء.
فلم يغير السجن قناعات مجاهد بني مفلح، ولم ينجح التعذيب في فرض الصمت الدائم عليه، فصوت الحقيقة يجد دائما طريقه إلى الظهور، حتى وإن كتب على ورقة بيضاء.
قد ينهك الجسد الفلسطيني، وقد تتشقق الجمجمة، لكن الرواية الفلسطينية ستظل عصية على الإعدام، شاهدة على إجرام السجان وعلى تواطؤ المجتمع الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك