مضيق هرمز أحَد أهمِّ الممرَّات البحريَّة ازدحامًا وحساسيَّة في العالم؛ حيث تمرُّ عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالميَّة تبلغ (20٪) من أسواق الطاقة.
وهذه النسبة الكبيرة، التي تعبُر من خلال ممرٍّ ملاحي دولي في بيئة أمنيَّة وسياسيَّة معقَّدة، لا شك أنها تفرض على الدول المشاطئة مسؤوليَّات كبيرة ومتزايدة تتجاوز مجرد الإشراف الجغرافي والإداري للعبور، لِتشملَ منظومة واسعة من الخدمات البحريَّة، أهمها: تأمين سلامة الملاحة البحريَّة، وخدمات البحث والإنقاذ، والاستجابة للطوارئ البحريَّة، ومكافحة التلوُّث، وحماية البيئة البحريَّة، بالإضافة إلى إدارة حركة السفن، وتقديم الدَّعم الفنِّي والإرشادي عند الحاجة، والتنسيق مع الهيئات الدوليَّة المختصة.
ولا شك أن كل هذه الخدمات تتطلب جهودًا وتكاليف ماليَّة وبشريَّة وتقنيَّة كبيرة تتحملها الدول المشاطئة للمضيق بصورة مستمرَّة، وهذه المسؤوليَّات تتعاظم مع الزمن.
ومن هنا تبرز أهميَّة إعادة النظر في رسوم الخدمات البحريَّة؛ باعتبارها حقًّا مشروعًا مقابل تلك الجهود والمسؤوليَّات في إطار القانون الدولي.
وبالتالي فإن هذا الطرح ليس حالة استثنائيَّة في الممرَّات الملاحيَّة الدوليَّة؛ فهناك نموذج مضيق «ملقة»، الذي يُمثِّل أحد النماذج الدوليَّة باعتبار أن الدول المشاطئة له، وهي: ماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة، تستفيد اقتصاديًّا من رسوم الخدمات المتَّبعة وفق القانون الدولي.
وهذا النموذج يُشبه أيضًا ما يمكن أن تقوم به سلطنة عُمان وإيران، الدولتان المشاطئتان لمضيق هرمز.
كما يجب التنويه إلى أن القانون الدولي لا يجيز فرض رسوم على حق المرور العابر، لكنه يجيز تحصيل مقابل الخدمات المقدَّمة للسفن العابرة، مثل الإرشاد والإنقاذ ومكافحة التلوُّث وغيرها من الخدمات.
التصريح الأخير لمعالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجيَّة، يضع النقاط على الحروف؛ إذ يميِّز بوضوح بين أمريْنِ مختلفين، هما: حق المرور العابر الذي يكفله القانون الدولي، حيث يؤكد معاليه تحريم فرض الرسوم عليه التزامًا بالقانون الدولي، مؤكدًا أن سلطنة عُمان وقَّعت على اتفاقيَّة الأمم المتحدة لأعالي البحار، وتؤكد التزامها الدائم بها.
أمَّا الأمر الآخر، الذي أشار إليه معاليه، فهو الخدمات التي تقدِّمها الدول المشاطئة للمضيق؛ إذ يمكن أن تخضع هذه الخدمات لتنظيم قانوني دولي معتمد، على أن يتم تحديد رسوم مقابل تلك الخدمات وفقًا للقانون الدولي.
ولا شك أن هذا التمييز يعكس فهمًا متقدمًا للقانون الدولي للبحار، ويؤكد في الوقت نفسه التزام سلطنة عُمان بالمبادئ التي قامت عليها حُريَّة الملاحة البحريَّة الدوليَّة.
ملف رسوم الخدمات التي تقدِّمها الدول المشاطئة لمضيق هرمز بالتأكيد لا ينتقص من مبدأ حُريَّة الملاحة، بل يُسهم في تعزيزه؛ لأنَّ سلامة الملاحة لا تتحقق بمجرد وجود حق المرور، بل تحتاج أيضًا إلى بنية أساسيَّة متطورة وخدمات بحريَّة مستدامة قادرة على التعامل مع المخاطر المتزايدة.
وبالفعل، تزايدت أهميَّة هذه الخدمات خلال السنوات الأخيرة نتيجة التوترات الإقليميَّة، وارتفاع كثافة الملاحة، وتزايد المخاطر المرتبطة بالحوادث البحريَّة، والهجمات على السفن، والقرصنة، والتلوُّث البيئي، وغيرها، ممَّا يجعل مسؤوليَّة الدول المشاطئة أكثر تعقيدًا وكلفة.
إنَّ توقيع سلطنة عُمان على اتفاقيَّة أعالي البحار يعكس استمرار نهجها الداعم للقانون الدولي وتعزيز التعاون البحري العالمي، وهو ما يمنحها ثقة المُجتمع الدولي في أيِّ مقاربة مستقبليَّة لتنظيم رسوم الخدمات، ممَّا يُعزِّز الأبعاد القانونيَّة المؤسَّسة على احترام الاتفاقيَّات الدوليَّة.
ومن هذا المنطلق، تبدو أهميَّة اللجنة العُمانيَّة الإيرانيَّة المشتركة، التي تضم وزارتَي الخارجيَّة في البلدين، لإجراء دراسة قانونيَّة وفنيَّة متأنِّية حول هذه المسألة، بما يُحقق التوازن بين مسألة الحفاظ الكامل على حُريَّة الملاحة الدوليَّة وضمان استدامة الخدمات البحريَّة التي تقدِّمها الدول المشاطئة، وذلك بما يخدم تعزيز الأمن والسلامة في أحَد أهمِّ الممرَّات البحريَّة في العالم.
التصوُّر المستقبلي الذي يؤمل أن تقدِّمه اللجنة العُمانيَّة الإيرانيَّة سيكون أكثر واقعيَّة ومشروعيَّة؛ حيث سيأتي بعد مشاورات واسعة مع الدول الإقليميَّة، والدول المستفيدة من المضيق، وشركات الملاحة العالميَّة، والمنظَّمات البحريَّة الدوليَّة، لِيضمنَ توافقًا دوليًّا واسعًا يجنِّب أيَّ تفسيرات متعارضة أو ملتبسة.
إنَّ منطقة الخليج والعالم بأسْره اليوم يحتاجان إلى مزيدٍ من التفاهم بدلًا من الخلافات حول مضيق هرمز، بما يحفظ الأمن والسِّلم الدوليين، ويؤمِّن المرور الآمن، وبالتالي تحمل كلفة الخدمات بصورة عادلة مع الالتزام الكامل بالقانون الدولي.
وهو ما قد تفضي إليه أعمال اللجنة العُمانيَّة الإيرانيَّة، التي سوف تستند إلى دراسات قانونيَّة وفنيَّة ومقاربة نماذج مشابهة، مع تعزيز ذلك بالتشاور مع الدول لاعتماده وفقًا للقانون الدولي.
وهو بلا شك سيُشكِّل وثيقة مرجعيَّة مهمَّة تسهم في تطوير آليَّات إدارة المضائق الدوليَّة، وتقدِّم نموذجًا يوازن بين حُريَّة الملاحة واستدامة الخدمات البحريَّة، بما يخدم مصالح المُجتمع الدولي ويحافظ على أمن أحَد أكثر الممرَّات البحريَّة أهميَّة حول العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك