أعاد الهجوم المسلح على مدرسة ثانوية في بلدة لاسا بولاية بورنو، شمال شرقي نيجيريا إلى الواجهة، حيث تعيش واحدة من أخطر الأزمات الأمنية التي تواجه البلاد منذ أكثر من عقد، وهي استهداف المدارس واختطاف الطلاب.
فبعد سنوات من حادثة اختطاف طالبات شيبوك التي هزت العالم عام 2014، تجد نيجيريا نفسها مجددًا أمام مشهد مشابه، بعدما اقتحم مسلحون مدرسة حكومية أثناء أداء الطلاب للامتحانات، واختطفوا العشرات، في وقت لا يزال فيه عشرات الطلاب وأحد العاملين محتجزين، رغم نجاح السلطات في تحرير عدد محدود من الرهائن.
ويأتي الهجوم في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، سواء التنظيمات الجهادية أو العصابات الإجرامية، واتساع رقعة عمليات الخطف مقابل الفدية، ما يثير تساؤلات جديدة حول قدرة الدولة على حماية المدارس والحد من تدهور الأوضاع الأمنية.
37 رهينة بعد الهجوم على مدرسة لاساأكدت السلطات في ولاية بورنو أن 36 طالبًا وأحد العاملين بالمدرسة ما زالوا محتجزين لدى المسلحين، بعد الهجوم الذي استهدف مدرسة Government Day Secondary School في بلدة لاسا، بينما كان الطلاب يؤدون امتحاناتهم النهائية.
وقال مفوض التعليم في ولاية بورنو، لوان أبا واكيلبي، إن المحتجزين يضمون 25 طالبة و11 طالبًا بالإضافة إلى أحد العاملين، فيما تمكنت السلطات من تحرير ثمانية أشخاص، من بينهم نائب مدير المدرسة.
ووقع الهجوم الاثنين عندما اقتحم مسلحون المدرسة الواقعة في منطقة أسكيرا أوبا بولاية بورنو، وهي إحدى أكثر الولايات النيجيرية تضررًا من التمرد المسلح منذ سنوات.
وتشير تقارير أمنية إلى أن الطلاب المختطفين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها رسميًا عن الهجوم حتى الآن، إلا أن أسلوب التنفيذ يتطابق مع الهجمات التي تنفذها عادة جماعة بوكو حرام أو تنظيم داعش، اللذين ينشطان في شمال شرق نيجيريا ومنطقة بحيرة تشاد.
بورنو.
بؤرة الصراع المسلحتعد ولاية بورنو مركز التمرد المسلح في نيجيريا منذ عام 2009، حيث تنشط جماعة بوكو حرام، التي أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة قبل أن تنشق عنها لاحقًا جماعة" ولاية غرب أفريقيا" الموالية لداعش.
وخلال أكثر من 17 عامًا من الصراع، أسفر العنف عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص داخل نيجيريا والدول المجاورة، فيما أصبحت المدارس إحدى أبرز أهداف الجماعات المسلحة التي تستخدم اختطاف الطلاب وسيلة للضغط على الحكومة أو للحصول على فدية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى أن الصراع أدى إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في أفريقيا، مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في شمال شرق البلاد.
من شيبوك إلى لاسا.
مسلسل اختطاف الطلاب مستمرأعاد هجوم لاسا إلى الأذهان حادثة اختطاف 276 طالبة من مدرسة شيبوك في ولاية بورنو عام 2014، والتي أثارت حملة عالمية تحت شعار" أعيدوا فتياتنا"، إلا أن عدداً من الطالبات لا يزال في عداد المفقودين حتى اليوم.
ورغم مرور أكثر من عقد على تلك الحادثة، لم تتوقف عمليات استهداف المدارس، بل شهدت السنوات الأخيرة موجة جديدة من عمليات الاختطاف الجماعي، سواء على يد الجماعات الجهادية أو العصابات المسلحة التي تنشط في شمال ووسط البلاد.
وفي مايو 2026، اختطف مسلحون أكثر من 40 طفلًا من قرية موسا في ولاية بورنو، ولا يزال عدد منهم محتجزًا، كما شهدت ولاية أويو جنوب غربي نيجيريا هجمات متزامنة على ثلاث مدارس، في تطور اعتبره مراقبون مؤشرًا على انتقال ظاهرة اختطاف الطلاب إلى مناطق كانت تعد أكثر أمنًا.
الحكومة تكثف جهودها لتحرير الرهائنوعقب الهجوم، أوفد حاكم ولاية بورنو باباجانا زولوم وفدًا حكوميًا رفيع المستوى إلى بلدة لاسا لمتابعة تطورات الأزمة، كما باشرت السلطات التنسيق مع الأجهزة الأمنية وزعماء المجتمعات المحلية من أجل تسريع جهود تحرير الطلاب والعاملين المحتجزين.
وأكد مفوض التعليم أن الحكومة تعمل بصورة متواصلة مع القوات الأمنية والقيادات المحلية لضمان عودة المختطفين سالمين، فيما انتشرت وحدات إضافية من الجيش والشرطة في المنطقة لتعقب منفذي الهجوم.
وكان الجيش النيجيري قد أعلن في وقت سابق من يونيو نجاحه في تحرير أكثر من 300 شخص كانوا محتجزين لدى جماعة بوكو حرام في منطقة نجوشي القريبة من لاسا، كما أعلنت السلطات في مايو مقتل 175 عنصرًا من تنظيم ولاية غرب أفريقيا خلال عملية مشتركة مع الولايات المتحدة، إلا أن الهجمات الأخيرة تشير إلى استمرار قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات نوعية ضد أهداف مدنية.
انتقادات حقوقية ومخاوف على مستقبل التعليموأثارت عملية الاختطاف موجة واسعة من الإدانات، حيث حذرت منظمة العفو الدولية من استمرار تعرض المدارس والطلاب لهجمات متكررة، مؤكدة أن المؤسسات التعليمية في شمال نيجيريا لا تزال تفتقر إلى الحماية الكافية.
وقالت المنظمة إن الهجوم يعكس استمرار فشل الإجراءات الأمنية في حماية الأطفال، داعية الحكومة إلى تعزيز أمن المدارس ومحاسبة المسئولين عن هذه الجرائم، وضمان عدم حرمان آلاف الأطفال من حقهم في التعليم بسبب المخاوف الأمنية.
يؤكد هجوم لاسا أن ظاهرة استهداف المدارس في نيجيريا لا تزال بعيدة عن الاحتواء، رغم العمليات العسكرية المستمرة ضد الجماعات المسلحة.
وبينما تواصل السلطات جهودها لتحرير الطلاب المحتجزين، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الهجمات إلى تعميق أزمة التعليم، ودفع مزيد من الأسر إلى الامتناع عن إرسال أبنائها إلى المدارس، في مشهد يعيد إلى الأذهان واحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخ نيجيريا الحديث، ويبرز الحاجة إلى استراتيجية أمنية أكثر فاعلية لحماية المدنيين والمؤسسات التعليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك