الأزمات الكبرى لا تولد فجأة من رحم الصدفة، وإنما هي نتاج مقدمات تتراكم فوق بعضها البعض حتىتصبح بمثابة الإنفجار، وما شهدناه مؤخراً من إحتفال صاخب أقامته وزارة الخارجية الإسرائيلية بمناسبةمنح الولايات المتحدة الأمريكية قطع أراضي في قلب مدينة القدس المحتلة لبناء مجمع سفارتهاالجديد، ليس مجرد إجراء دبلوماسي أو بروتوكول عقاري؛ بل هو تجسيد حي لظاهرة عبثية وصادمة فيالعلاقات الدولية، محتلٌ يمنح محتلاً، في ذروة مشهد سياسي تغيب عنه أدنى معايير الشرعية الأخلاقيةوالقانونية.
إننا لسنا أمام صفقة عقارية، بل أمام عملية هندسة جيوسياسية لفرض أمر واقع بقوة السلاح والغطاءالسياسي، وهي عملية تتجاوز حدود الإنتهاك القانوني لتصل إلى مرتبة الجريمة السياسية المكتملةالأركان.
دعونا نضع النقاط فوق الحروف، ونعود بالذاكرة إلى الوراء لكي نفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظةالحرجة.
منذ عام 1948، ثم في المحطة الفاصلة عام 1967، كانت القدس دائماً هي بؤرة الصراع وميزانالحساسية المفرطة في الشرق الأوسط، ولم تكن القوانين الدولية بدءاً من القرار 242 وحتى القراراتالمتلاحقة لمجلس الأمن ترى في القدس الشرقية إلا أرضاً خاضعة للإحتلال العسكري، لا يجوز لتغييرديمغرافي أو جغرافي أن يبدل من هويتها القانونية،لكن المشهد الحالي، يظهر تحولاً جوهرياً في الإستراتيجية الأمريكية،وهى الإنتقال الصريح من خانة الوسيط حتى وإن كان منحازاً في السابق إلى خانة الشريك الكامل فيتكريس الإحتلال،وإهدار منظومة القانون الدولي المقرة بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تحظر الإستيلاء على أراضيالغير بالقوة،إن منح الإدارة الأمريكية أراضٍ مصادرة أو متنازع عليها في القدس لإقامة مبنى سفارة محصن، هو بمثابةإعطاء صك براءة لسياسات الإستيطان ومصادرة الأراضي، وهو أمر يضعف من الهيبة الأخلاقية للغرب فيأي نزاع دولي آخر.
فالأراضي المخصصة للسفارة تشمل مساحات كانت تُعرف بـ المناطق الحرام أو أراضٍ تعود لملكياتخاصة وغسلتها القوانين الإسرائيلية الجائرة مثل قانون أملاك الغائبين، وهنا تبرز المفارقة الصارخة: دولة تدعي رعاية الديمقراطية وحقوق الملكية، تقبل ببناء رمز سيادتها فوق أرض مسلوبة!
الإحتفال الإسرائيلي لم يكن مجرد بهجة بإنشاء مبنى، بل هو إحتفال بإنتصار الفوضى الدولية، فالطرفالإسرائيلي يرى في هذه الخطوةشعوراً متزايداً بالحصانة من أي عقاب أو ملاحقة دولية،وتحويل القدس إلى أمر واقع غير قابل للتفاوض، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية من جوهرها، وإنهاء حل الدولتين بالضربة القاضية،ما يحدث هو صناعة واقع إفتراضي يحاول القفز فوق حقائق التاريخ والجغرافيا، لكن التاريخ علمنا عبرتجاربه المريرة أن القوة الغاشمة يمكنها أن تغير الخرائط على الورق، ويمكنها أن تبني جدراناً منالخرسانة المسلحة، لكنها تعجز تماماً عن إنتزاع الشرعية من ضمائر أصحاب الأرض، أو إخماد جذوةالحق في نفوس الشعوب.
إن هذا المشهد السريالي حيث المحتل يمنح المحتل، وحيث تُوزع الأرض الدينية والتاريخية كمنحوعطايا وكأنها بلا أصحاب يضع الأمة العربية، بل والمجتمع الدولي بأسره، أمام لحظة صدق مع الذات.
إنني أقول، وبكل ثقة القدس ليست عقاراً يُشترى ويُباع، ولا هي هبة تملكها واشنطن لتهديها إلى تل أبيب، إنها قضية وجود، ورمز لضمير إنساني لا يمكن طمسه بإحتفال في أروقة وزارة الخارجية الإسرائيلية، مهما بلغت درجات التواطؤ، ومهما تمددت حدود الإجرام السياسي المدعوم بآلة الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك