د.
سنا محمد ظافر القحطانيأخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم.
هو نحن أنفسنا؟لم يكن الإنسان يومًا يخشى التقدم، ولم يكن الإسلام يومًا عائقًا أمام العلم أو الابتكار أو عمارة الأرض، بل دعا إلى السعي فيها، وإلى الأخذ بأسباب القوة، وإلى تسخير النعم فيما ينفع الإنسان ويحقق الخير للمجتمع.
وما نعيشه اليوم من تطور تقني واقتصادي متسارع هو ثمرة من ثمار هذا السعي الإنساني، يستحق أن يُشكر الله عليه وأن يُحسن توظيفه.
لكن، وسط هذا المشهد المشرق، يراودني سؤال لا يغيب عن ذهني:ماذا لو كان أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم هو نحن أنفسنا؟لا أقصد الإنسان بعلمه، ولا بإنجازاته، ولا بقدرته على الابتكار، وإنما الإنسان في داخله؛ في ضميره، وفي قيمه، وفي علاقته بنفسه، وبأسرته، وبمجتمعه، وبربه.
لقد أصبح الوصول إلى كل شيء أسهل من أي وقت مضى.
الوصول إلى المال، وإلى الشهرة، وإلى المعرفة، وإلى التأثير، بل وحتى إلى ما حرّم الله، لم يعد يحتاج إلا إلى وسائل قليلة وجهد يسير مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات.
ولم تعد المشكلة في هذه الأدوات؛ فهي في ذاتها ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتطور الأدوات أسرع من تطور الإنسان، وعندما تتسع قدرتنا على الوصول إلى كل شيء، بينما تضيق قدرتنا على ضبط النفس، والتمييز بين ما يجوز وما لا يجوز.
إن أكثر ما يقلقني ليس سرعة التقنية، بل سرعة اعتياد الإنسان.
فما كان المجتمع يستنكره بالأمس، قد يصبح مألوفًا اليوم إذا تكرر أمام أعيننا بما يكفي.
وما كان الضمير يرفضه، قد يفقد أثره شيئًا فشيئًا عندما يتحول الخطأ إلى مشهد يومي، وعندما يصبح تكرار السلوك سببًا في اعتياده، لا في رفضه.
فالمجتمعات لا تتغير في ليلة واحدة، ولا تنهار قيمها فجأة، وإنما تبدأ التحولات عندما يعتاد الناس ما لم يكونوا يعتادونه، وعندما يصبح السؤال: “هل أستطيع؟ ” أقوى من السؤال: “هل ينبغي أن أفعل؟ ”ومن منظور علم الاجتماع، فإن أخطر التحولات ليست تلك التي تحدث في الأنظمة أو الأدوات، وإنما تلك التي تحدث في منظومة القيم؛ لأن القيم هي التي تضبط السلوك، وتحفظ هوية المجتمع، وتمنح الإنسان القدرة على مقاومة الإغراءات مهما تنوعت وسائلها.
ولعلنا اليوم بحاجة إلى أن نتوقف قليلًا، لا لنراجع سرعة التقنية، وإنما لنراجع سرعة بنائنا للإنسان.
فكل يوم تظهر أدوات أكثر ذكاءً، بينما يزداد احتياجنا إلى إنسان أكثر وعيًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على الاختيار الأخلاقي.
فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بما نملكه من وسائل، بل بما نحافظ عليه من مبادئ ونحن نستخدم تلك الوسائل.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أن نقطة البداية ليست في الخارج، وإنما في داخل الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فإصلاح المجتمعات يبدأ بإصلاح النفوس، وحماية الأوطان تبدأ بحماية الضمائر، وبناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان.
كما حذّرنا الله سبحانه من أن يتحول الانبهار بما في أيدي الآخرين إلى فتنة تُفسد القلب وتسرق الرضا، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131].
وكأن الآية تخاطب إنسان هذا العصر، الذي أصبح يرى حياة الآخرين في كل لحظة، حتى كاد يقيس سعادته بما يملكون، لا بما يملكه هو من نعم.
إن خوفي ليس على حاضرنا فحسب، بل على مستقبل أبنائنا وأحفادنا.
فهم سيعيشون في عالم أكثر سرعة، وأكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على التأثير في عقولهم وقلوبهم.
وإذا لم نسبق هذا التغير ببناء الإنسان، وتعزيز القيم، وترسيخ الضمير، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات نعالج نتائج كان يمكن الوقاية منها منذ البداية.
لسنا بحاجة إلى أن نخاف من التقدم، فالتقدم ضرورة، ولا إلى أن نغلق أبواب التقنية، فهي من أدوات العصر، ولكننا بحاجة إلى أن نعيد التوازن بين بناء الحضارة وبناء الإنسان، لأن الحضارة التي تتقدم فيها الأدوات أسرع من القيم، قد تُنتج إنجازات مبهرة، لكنها تُنتج في الوقت ذاته فراغًا أخلاقيًا لا تملؤه القوانين وحدها.
إذا كنا نستثمر كل يوم في تطوير أدواتنا، فكم نستثمر في بناء الإنسان الذي سيستخدم هذه الأدوات غدًا؟فالأوطان لا تُحفظ بما تملكه من وسائل فقط، بل بما تغرسه في الإنسان من قيم، وما تبنيه فيه من ضمير، وما تتركه في قلبه من خشية لله ومسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك