تواجه مساعي السلطات الفرنسية من أجل تصفية بعض المشاكل العالقة والملحة مع الجزائر، مقاومة من قبل أطراف معروفة بعداوتها للمستعمرة السابقة، تجلت من خلال التسريبات والتسريبات المضادة التي عاش على وقعها المشهد الإعلامي في فرنسا، بحر هذا الأسبوع.
ومباشرة بعد تسريب صحيفة “لوموند” خبر التغير الذي حصل في موقف النيابة الفرنسية المفاجئ من قضية الموظف القنصلي الجزائري الموجود في السجن في فرنسا منذ 12 أفريل 2025 خارج الأعراف الديبلوماسية والقنصلية، خرجت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس براس) العمومية، بتصريح مثير لمحامي أحد المطلوبين للعدالة الجزائرية والموجود على التراب الفرنسي، يحذر من إمكانية حدوث مقايضة بين الموظف القنصلي الجزائري، والصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة السجن لـ7 سنوات سجنا في قضية تتعلق بدعم الإرهاب والإشادة به.
وكانت الفكرة العامة لمقال صحيفة “لوموند” تشير إلى احتمال حدوث حلحلة في قضية الموظف القنصلي الجزائري، واعتبرت ذلك مؤشرا على احتمال وصول الطرفين إلى حل ينهي سجن الرعيتين وعودتهما إلى بلادهما في سياق تفاهمات يعتقد أنها حصلت خلف الأبواب المغلقة، ولم يمر وقت طويل على هذا التسريب (زوال اليوم ذاته)، حتى عممت وكالة الصحافة الفرنسية، برقية يمكن القول إنها تصب في اتجاه معاكس (قطع الطريق على إرهاصات الصفقة غير المعلنة، إن وجدت).
وأظهر هذا السجال الفرنسي ـ الفرنسي، مقاربة مفادها أن هناك من يريد إنهاء معاناة الرعيتين الجزائرية والفرنسية، ويرجح أن تكون الحكومة برئاسة سيباستيان لوكورنو ومن ورائها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وراء هذا التوجه، في حين تصدى له طرف آخر غير ظاهر ولكنه معروف، وهي الدولة العميقة، التي عادة ما تكون متغلغلة في المشهد الإعلامي وفي أدوات صناعة الرأي العام وتوجيهه.
السجال الفرنسي ـ الفرنسي لم يتوقف في اليوم الأول، بل امتد إلى اليوم الثاني، واللافت فيه، هو عودة أحد أبرز الوجوه المعروفة في لجنة الدفاع عن الكاتب الفرنسي من أصول جزائرية، بوعلام صنصال، عندما كان يقضي عقوبة السجن، وهو أرنو بينيديتي، في مقال بصحيفة “لو جورنال دو ديمانش”، ينتقد فيه إدارة ماكرون ويتهمها بسوء تسيير ملف كريستوف غليز.
وعرف أرنو بينيديتي بخرجاته الإعلامية المتكررة عندما كان بوعلام صنصال يقضي محكوميته في الجزائر، غير أنه ومنذ أن صدر عفو عنه بوساطة الرئيس الألماني، التزم الصمت، كما لم يسبق له أن أخذ على عاتقه الدفاع عن كريستوف غليز، غير أنه سارع إلى إقحام أنفه في هذه القضية، مباشرة بعد أن لاحت في الأفق بوادر تفاهمات بين الجزائر وباريس بشأن الرعية الفرنسي والموظف القنصلي الجزائري.
وفي مقال عنونه “عجز فرنسا في مواجهة اعتقال كريستوف غليز”، تحدث أرنو بينيديتي المعروف بتوجهاته اليمينية عن فشل باريس في تأمين إطلاق سراحه، ما “يظهرها بمظهر الضعف”، في محاولة لإيهام الرأي العام الفرنسي، بأن أي مقايضة في القضيتين (الموظف القنصلي الجزائري مقابل الصحفي الفرنسي)، يعتبر خضوعا من قبل باريس تجاه الجزائر، وذلك بالرغم من إدراكه بأن الجزائر لن تتسامح في سجن موظفها القنصلي.
ورغم اطلاعه على انشغالات عائلة الصحفي التي أكدت رفضها في أكثر من مناسبة تسييس قضيته من قبل الأوساط المعادية للجزائر، إلا أن أرنو بينيديتي الذي يمثل واجهة النخب السياسية والإعلامية التي صبت ولا تزال الزيت على نار العلاقات الثنائية الملتهبة، عمل على استغلال هذا الملف لمنع الوصول إلى نهاية سعيدة لمعاناة الرعيتين الموجودتين في السجن، وبوقاحة كبيرة رافع لأجل الإفراج عن الصحافي الفرنسي من دون الموظف القنصلي، وهو حلم لبعض النخب السياسية والإعلامية الفرنسية لن يتحقق أبدا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك