لا شك أن الذكاء الاصطناعي (AI) اجتاح العالم في مختلف المجالات والفنون من بينها الرسم وأصبح أداة العصر الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا بفضل سرعته في الإنجاز، وقدرته على تحقيق نتائج مبهرة، وتوفيره للوقت والجهد والتكلفة، فضلًا عن تذليل عقبات المسافات، وتوسيع حدود الخيال والابتكار، وإتاحة أساليب بصرية مختلفة ومتنوعة.
كما بات متاحًا للمحترف والمبتدئ على حد سواء، واتجه أصحاب المواهب الفنية إلى هذه التكنولوجيا الأسهل في التنفيذ والأسرع في الإنجاز؛ فبدلًا من رسم لوحة صغيرة تستغرق ساعات أو أيامًا من الجهد والتعب والتكلفة، يمكن إنتاجها عبر برامج، بعضها غير مدفوع، وفي وقت قياسي.
لكن يبقى السؤال: هل يشبعنا هذا الفن حقًا؟ذلك الفن الذي يتوارى خلف الشاشات، تاركًا دفء الممارسة اليدوية والتفاعل الحسي مع الخامات والأدوات، والعلاقة المباشرة بين العقل والجسد والروح واللوحة.
فالفن التشكيلي التقليدي يعتمد على مهارة الفنان وموهبته وأدواته، بينما يختزل الذكاء الاصطناعي العملية الإبداعية في أوامر مكتوبة ورؤى ذهنية، فيتراجع دور الفنان أو الصانع إلى مجرد صاحب فكرة أو تصور.
في الرسم نجد ملمس القماش، وقوام الألوان ووسائطها المختلفة ليست مجرد وسيلة تنفيذ، بل هي امتداد لوجدان الفنان حتى ضربة الفرشاة ليست مجرد أثر لوني، بل بصمة تحكي شخصية الفنان وعمر اللوحة وتفاعلها مع الزمن ومع مرور السنوات تترك العوامل الجوية آثارها على العمل الفني، فيصبح ككائن حي يتفاعل مع الحياة ومؤثراتها.
ورغم ما يحمله فن الذكاء الاصطناعي من آفاق واسعة للخيال والابتكار، فإنه يفتقد ذلك الارتباط الفطري بين الفنان وأدواته فكثير من الأعمال المنتجة بالذكاء الاصطناعي تشترك في ملمس بصري واحد وهو الملمس الزجاجي الذى يخفي وراءه غياب الخامة الحقيقية وتفاصيلها الحسية لذلك نستطيع في الفن التشكيلي التقليدي أن نتعرف إلى صاحب اللوحة من خلال أسلوبه ولمساته الخاصة، حتى قبل قراءة اسمه، لأن العمل يكون انعكاسًا مباشرًا لتجربته وموهبته وأفكاره وطريقته في التعامل مع أدواته والألوان التي يفضلها.
أما في كثير من الأعمال المنتجة بالذكاء الاصطناعي، فإن تلك البصمة الشخصية تصبح أقل وضوح، ويصعب أحيانًا التمييز بين أصحاب الأعمال المختلفة، رغم اختلاف الأفكار والموضوعات.
ويبقى السؤال الذى أتركه للقراء:هل سنرى بعد مائة عام أعمالًا فنية منتجة بالذكاء الاصطناعى تُعرض فى المتاحف العالمية وتحمل القيمة الفنية والرمزية نفسها التى تحملها روائع الفن التشكيلي؟ وهل ستباع بملايين الدولارات كما تُباع اليوم أعمال كبار الفنانين؟ أم سيبقى فنًا يرتبط فى المقام الأول بالاستخدامات التجارية والإعلانية والطباعة الرقمية؟أم أن قيمة الفن ستظل مرتبطة بذلك الأثر الإنسانى الفريد الذى تتركه يد الفنان على لوحاته وأدواته، وتحمل فى تفاصيلها ملامح عصره وتجربته الإنسانية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك