باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوموند” إن الأحزاب القريبة من السلطة تبدو الأوفر حظًا للفوز بالانتخابات التشريعية التي دعي إليها نحو 25 مليون جزائري هذا الخميس، وذلك في ظل غياب منافسة جدية.
ووصفت الصحيفة الفرنسية الأجواء، مشيرة إلى أنه من الصعب، عند التجول في شوارع الجزئر العاصمة، ملاحظة أي مؤشرات تدل على اقتراب الانتخابات.
فلوحات الإعلانات الانتخابية فارغة أو مغطاة بالكتابات، واجتماعات انتخابية تُعقد أمام صفوف شبه خالية: البلاد تبدو غارقة في حالة من الخمول السياسي قبل الانتخابات التشريعية، تقول الصحيفة.
فنادراً ما كانت حملة انتخابية بهذا الفتور منذ إدخال التعددية الحزبية عام 1988، والتي رغم خضوعها الدائم لرقابة مشددة، سمحت أحيانًا بحياة سياسية نشطة.
الصورة المتفائلة التي ترسمها بعض وسائل الإعلام، مثل حديثها عن “إرهاق” المرشحين و”جداولهم المزدحمة”، لا تخدع أحدًا، توضح الصحيفة.
يُدعى نحو 25 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب 407 نواب، لكن اهتمام الجزائريين انصب في الأيام الأخيرة على أمر آخر: مباريات كأس العالم لكرة القدم.
فقد جذب تأهل المنتخب الوطني إلى الدور السادس عشر اهتمام الجمهور، مما جعل وعود المرشحين مجرد ضجيج في الخلفية، تشير “لوموند”.
ليست كرة القدم وحدها سبب هذا العزوف، بل يعود ذلك أساسًا إلى إحكام السيطرة على العملية الانتخابية، مما يحد من عنصر المفاجأة.
فقد لعبت عملية اعتماد المرشحين من قبل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات دور “الفلتر” الصارم، تتابع الصحيفة.
وبعيدًا عن وعود التجديد والانفتاح، كرس الإطار القانوني الجديد المعتمد مطلع عام 2026 تراجعًا واضحًا في تنوع المرشحين، من بينها إلغاء نظام الحصص الإلزامية للنساء، الذي كان قد ساهم سابقًا في تعزيز تمثيلهن داخل البرلمان.
كما تفاقمت عملية الإقصاء بسبب شروط التزكية الصارمة المفروضة في كل ولاية، إضافة إلى التحقيقات الإدارية غير الشفافة، والتي أدت إلى استبعاد عدد كبير من القوائم المستقلة والمعارضة بحجة “تنقية الحياة العامة”، كما تقول الصحيفة.
ففي منتصف شهر يونيو، أعلنت السلطة الانتخابية إقصاء نحو 30% من أصل 10 آلاف مرشح، تشير “لوموند”.
وقد اعتبرت عدة أحزاب هذه الإجراءات “مناورات إقصاء سياسي”، مما حرم الانتخابات من تنافس حقيقي، وأعطى الانطباع بأنها مجرد عملية شكلية.
ومضت “لوموند” قائلة إن القوى السياسية المرتبطة بالسلطة تدرك خطر العزوف الانتخابي، لما له من تأثير على مصداقية العملية.
لذلك كثّفت أحزاب الأغلبية، الداعمة للرئيس عبد المجيد تبون، دعواتها للمواطنين من أجل المشاركة.
غير أن القلق واضح، تضيف الصحيفة، كون المسألة لا تتعلق بنتيجة الانتخابات بقدر ما تتعلق بنسبة المشاركة، التي تشكل أساس شرعية العملية السياسية.
فالسلطات تعلم أن عزوف المواطنين عن التصويت يعكس عمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
وقد ذهبت بعض وسائل الإعلام إلى ربط المشاركة بالأمن الوطني، معتبرة أن الانتخابات تجري في ظل “تهديدات” إقليمية ودولية، في محاولة لحث المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراع.
تخشى السلطة تكرار سيناريو انتخابات 2021، التي شهدت نسبة مشاركة تاريخية متدنية لم تتجاوز 23%، مع أكثر من مليون ورقة ملغاة.
وهي نسبة أقل بكثير من انتخابات 2017 (37%) و2012 (43%)، تواصل “لوموند”، مضيفة أنه يبدو أن النظام وقع في مفارقة: فكلما سعى إلى التحكم في الحياة السياسية والعملية الانتخابية، زاد عزوف المواطنين، مما يضعف الخطاب الرسمي حول “الجزائر الجديدة”.
جاء قانون الأحزاب الجديد، المعتمد في يناير، ليزيد من تقييد العمل السياسي، حيث يفرض شروطًا صارمة على تأسيس الأحزاب ونشاطها، مع تدخل إداري واسع في شؤونها الداخلية، ما يجعلها أقرب إلى مؤسسات خاضعة للدولة، برأي الصحيفة.
وقد لخّص كريم طابو، أحد أبرز وجوه الحراك الشعبي، الوضع بقوله: “إن هيمنة الأجهزة الأمنية وتأثير مراكز القرار غير الخاضعة للرقابة الديمقراطية، ما زالت تقيد استقلالية المؤسسات المدنية وتعرقل السير الطبيعي للحياة السياسية”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك