طرابلس – «القدس العربي»: شهدت مدينة صرمان تطوراً أمنياً لافتاً بعد إعلان جهاز المباحث الجنائية تفكيك سيارة مفخخة كانت معدة للتفجير عن بُعد، في حادثة تعكس استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد.
ووفق بيان رسمي صادر عن الجهاز، عُثر على السيارة متوقفة أمام إحدى المدارس، ما كان ينذر بكارثة محتملة لولا التدخل السريع للفريق المختص.
وفور تلقي البلاغ، انتقل عناصر الجهاز إلى موقع السيارة، حيث باشروا أعمال الكشف والتقييم الفني، ليتضح أن المركبة تحتوي على خمس قذائف مدفعية إضافة إلى لغم أرضي، جميعها موصولة بدائرة تفجير عن بُعد.
هذا الاكتشاف الخطير دفع الفريق إلى فرض طوق أمني محكم حول المكان، واتخاذ إجراءات دقيقة لتأمين الموقع وحماية المدنيين، قبل أن يتمكن المختصون من إبطال مفعول المتفجرات بنجاح، دون تسجيل أي إصابات أو أضرار مادية.
وتأتي هذه الواقعة في وقت تشهد فيه ليبيا حالة من التوتر الأمني المتقطع، ما يعيد إلى الواجهة أهمية تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية ورفع جاهزيتها لمواجهة مثل هذه التهديدات، خاصة في المناطق المدنية الحساسة كالمؤسسات التعليمية.
وفي موازاة هذا الحدث الأمني، برزت تطورات سياسية وعسكرية مهمة، حيث دعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إلى اتخاذ قرارات وصفها بـ «الحاسمة» من أجل توحيد المؤسسة العسكرية الليبية ضمن قيادة مشتركة مهنية ومحايدة، تخضع لسلطة مدنية.
وأكد المنفي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الوقت قد حان لبناء جيش وطني موحد تكون مهمته الأساسية حماية الحدود وصون مقدرات الدولة، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وشدد المنفي على ضرورة أن يلتزم الجيش بدوره الوطني في مكافحة التهريب وحماية المرجعيات الدستورية، إلى جانب ترسيخ النظام الديمقراطي وتعزيز سيادة الدولة، معتبراً أن استمرار الانقسام العسكري يمثل عائقاً رئيسياً أمام استقرار البلاد.
وجاءت تصريحات المنفي على خلفية مشاركة ليبيا في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة لعام 2026، الذي استضافته العاصمة الأنغولية لواندا، حيث مثّل ليبيا في هذا الحدث كل من رئيس الأركان العامة في غرب البلاد الفريق أول صلاح الدين النمروش، ورئيس الأركان التابع للقيادة العامة الفريق أول ركن خالد حفتر.
هذا التمثيل المزدوج أثار تساؤلات حول واقع الانقسام العسكري، إذ أشار المنفي إلى أن تعدد التمثيل الليبي في المحافل الدولية لا يتماشى مع ما هو معمول به في باقي الدول، التي تحضر عادة بوفد عسكري موحد.
واعتبر أن هذا الوضع يضع الليبيين أمام مسؤولية وطنية ملحة تتطلب الإسراع في توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام.
واختُتمت أعمال المؤتمر في لواندا بمشاركة واسعة من رؤساء الأركان والقادة العسكريين من أكثر من 35 دولة أفريقية، إلى جانب شركاء دوليين، حيث ناقشت الجلسات سبل تعزيز الأمن والاستقرار في القارة، وتطوير الشراكات العسكرية، وتوسيع برامج التدريب المشترك، إضافة إلى تبادل الخبرات في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة.
وشهدت مشاركة النمروش سلسلة من اللقاءات الثنائية مع عدد من نظرائه الأفارقة، ركزت على بحث آفاق التعاون العسكري وتبادل الخبرات في مجالات التدريب والتأهيل وبناء القدرات، بما يسهم في تعزيز العلاقات العسكرية بين ليبيا ومحيطها الإقليمي والدولي.
ويعكس تزامن هذه الأحداث الأمنية والسياسية صورة معقدة للمشهد الليبي، حيث تتداخل التهديدات الأمنية مع التحديات السياسية، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي.
وبينما تنجح الأجهزة الأمنية في إحباط مخاطر وشيكة مثل حادثة صرمان، تبقى الحاجة ملحة إلى حلول جذرية على المستوى السياسي والعسكري لضمان استقرار دائم.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو دعوات توحيد المؤسسة العسكرية خطوة أساسية نحو بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات، إلا أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهوناً بمدى توافق الأطراف الليبية واستعدادها لتقديم تنازلات من أجل المصلحة الوطنية العليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك