نحن نعيش اليوم فى زمن تُشاهد فيه الوقائع قبل أن نعرفها أو ندركها، فمثلًا قد تتحول لقطة قصيرة إلى رواية كاملة، وقد تصبح صورة واحدة أساسًا لأحكام واسعة، رغم أنها لا تمثل سوى جزء محدود من مشهد أكثر تعقيدًا.
لقد دخلنا عصر ما يمكن تسميته بـمجتمع المشاهدة، حيث أصبحت الصورة والفيديو المصدر الأول لتكوين الانطباعات والنتائج، وما إن يظهر مقطع جديد حتى تبدأ التعليقات والتحليلات والأحكام، وكأن الحقيقة اكتملت بمجرد الضغط على زر التشغيل.
وربما مرّ علينا جميعًا هذا المشهد المألوف؛ فنستيقظ صباحًا لنجد مقطعًا قصيرًا يملأ الهواتف وصفحات التواصل، وخلال ساعات قليلة يتحول إلى حديث البيوت وأماكن العمل والمقاهى، ويتناقله الناس ويختلفون حوله، ويتبنون مواقف حادة تجاهه، قبل أن نعرف، ويعرف كثيرون، تفاصيل ما جرى أصلًا أو يطّلعوا على الصورة الكاملة للحدث.
ومع ذلك، لا ينبغى النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة فى حد ذاتها، فالكاميرا لعبت دورًا مهمًا فى كشف وقائع لم يكن من الممكن إثباتها فى الماضى، وساهمت فى توثيق تجاوزات وأحداث كان يمكن أن تضيع تفاصيلها أو تختلف الروايات حولها، كما أصبحت الأدلة الرقمية عنصرًا أساسيًا فى العديد من التحقيقات، وساعدت الجهات المختصة على سرعة التحرك والتعامل مع كثير من الوقائع بصورة أكثر دقة.
لكن الفارق كبير بين التوثيق والحقيقة الكاملة؛ فالفيديو يوثق لحظة محددة، لكنه لا يروى دائمًا ما سبقها أو ما تلاها، وقد يُظهر النتيجة دون الأسباب، أو يرصد رد الفعل دون أن يكشف ما أدى إليه.
ولهذا فإن الاعتماد على المقطع المصور وحده قد يقود أحيانًا إلى استنتاجات متسرعة.
لعلنا نشاهد هذا النمط بصورة متكررة؛ كحادثة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعى، ثم تتسارع ردود الأفعال، ويتحول النقاش إلى حالة من الاستقطاب الحاد، وبعد أيام تظهر معلومات إضافية أو شهادات جديدة تغير فهم الواقعة أو تضيف إليها أبعادًا لم تكن معروفة فى البداية، ولكن الرأى العام يكون قد كوّن موقفه بالفعل، وأصدر أحكامه، وانتقل إلى قضية أخرى.
هذا التسارع جعل كثيرًا من القضايا تُستهلك عاطفيًا أكثر مما تُناقش عقلانيًا، ولم يعد السؤال الأول: ماذا حدث؟ بل أصبح، فى أحيان كثيرة: مع من يستحق التعاطف؟ وهنا تتحول المواقف إلى انحيازات دينية أو اجتماعية أو ثقافية سريعة، بينما يتراجع البحث عن الحقيقة إلى المرتبة الثانية.
وكثيرون منا مرّوا بتجربة مشابهة، وهى أن نشارك محتوى أو ندافع عن موقف ما اعتمادًا على ما ظهر أمامنا فى اللحظة الأولى، ثم نكتشف لاحقًا أن هناك تفاصيل غابت عن المشهد، أو معلومات جديدة غيّرت طريقة فهمنا للواقعة.
المشكلة ليست فى الخطأ ذاته، بل فى أن سرعة التفاعل أصبحت أحيانًا أكبر من قدرتنا على التحقق والتأمل.
ولا يتوقف الأمر عند طبيعة المحتوى نفسه، بل يمتد إلى الطريقة التى يصل بها هذا المحتوى إلى الجمهور، فمعظم ما نشاهده اليوم لا نختاره بالكامل، بل تساهم خوارزميات المنصات الرقمية فى اختياره وترتيبه وفقًا لما يحقق أكبر قدر من التفاعل والانتشار.
ولهذا تميل المواد المثيرة للغضب أو التعاطف أو الجدل إلى الظهور بصورة أكبر من المحتوى الهادئ أو التحليلى.
ومع تكرار مشاهدة الفكرة نفسها من حسابات وصفحات متعددة، تنشأ لدى البعض قناعة بأنها تمثل الحقيقة الكاملة أو الرأى العام بأكمله، بينما قد تكون مجرد زاوية واحدة من المشهد، كما أن هذا النمط يخلق ما يشبه الدوائر المغلقة، حيث يتعرض الفرد باستمرار لآراء تشبه آراءه وقناعات تؤكد ما يؤمن به مسبقًا، فيتراجع الاحتكاك بالأفكار المختلفة، وتتسع مساحة اليقين السريع على حساب الفهم المتأنى.
من هنا يصبح الوعى الرقمى جزءًا أساسيًا من الوعى العام، ليس فقط بالتحقق من المعلومات، بل أيضًا بفهم الكيفية التى تُصنع بها أولوياتنا اليومية، والطريقة التى يمكن أن تؤثر بها آليات الانتشار والتفاعل فى تشكيل مواقفنا من الأشخاص والقضايا والأحداث.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك ما يحدث أحيانًا فى النقاشات المتعلقة ببعض القضايا الأسرية أو الاجتماعية أو التعليمية، فقد ينتشر مقطع داخل منزل أو مدرسة أو مؤسسة ما، فنبنى عليه حكمًا شاملًا على أشخاص أو مؤسسات بأكملها، بينما تكشف المعلومات اللاحقة أن ما ظهر فى الفيديو لم يكن سوى جزء من القصة.
ومن القضايا التى تعكس هذا التحدى أيضًا ملف حيوانات الشارع، فكلما وقعت حادثة مرتبطة بكلب ضال، يتجه النقاش سريعًا إلى طرفين متقابلين؛ طرف يطالب بإجراءات حاسمة وفورية، وطرف يرفض أى إجراء قد يضر بالحيوان انطلاقًا من اعتبارات إنسانية، وبين هذين الموقفين تضيع أحيانًا الأسئلة الأكثر أهمية، وهي: كيف تُدار هذه القضية؟ وما دور التعقيم والتطعيم؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان؟ فالقضية فى جوهرها ليست معركة عاطفية بل ملفًا يتعلق بالإدارة والتنظيم والصحة العامة.
لهذا تبدو الحاجة ملحة إلى ما يمكن تسميته بـتوطين صناعة الوعى، والمقصود هنا ليس إطلاق الشعارات أو تقديم دروس نظرية، بل بناء عادة مجتمعية تقوم على التفكير قبل إصدار الأحكام، وعلينا أن نتعلم التوقف قليلًا قبل مشاركة المحتوى، وأن نمنح أنفسنا فرصة للسؤال والبحث، لكى ندرك أن ما نراه ليس بالضرورة كل ما حدث.
فالوعى يبدأ من أسئلة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية:ما السياق الكامل للواقعة؟هل ما أراه يمثل الصورة كلها؟هل هناك معلومات لم تظهر بعد؟ومن المستفيد من تقديم الحدث بهذه الطريقة؟هذه الأسئلة لا تعطل الوصول إلى الحقيقة، بل تساعد على الاقتراب منها، وهى تمثل الفارق بين متلقٍ يستهلك المحتوى بسرعة، ومواطن يمتلك القدرة على الفهم والتحليل.
إن توطين صناعة الوعى لم يعد نزاهة فكرية فى عصر التدفق الهائل للمعلومات، بل أصبح ضرورة مجتمعية، فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى المعلومات، وإنما بقدرتها على التعامل معها بقدر من الحكمة والتوازن.
لا أحد يطلب من الناس أن يتخلوا عن المشاهدة، فهذا جزء من طبيعة العصر، لكن ما نحتاجه حقًا هو أن نترك مسافة قصيرة بين ما نراه وما نحكم به، وفى هذه المسافة تتشكل الأسئلة، وتنضج الأفكار، ويصبح الفهم أعمق من الانطباع الأول، وغالبًا ما يبدأ الوعى الحقيقى من هنا؛ وعى هادئ لا ينجرف مع كل موجة، ولا يكتفى بما يظهر على الشاشة، بل يبحث دائمًا عما وراءها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك