في السياسة، أين تتمثل القيمة الحقيقية؟ هل في التركيبة العددية للبرلمان، أم في ترجمة الوجود إلى تأثير فعلي وشراكة قائمة على التعاون الجاد والانخراط في عملية اتخاذ القرار؟ اليوم في سوريا، التمثيل السياسي لم يعد يعكس تطلعات الإرادة السياسية نحو مستقبل أفضل، بل بات مجرد حضور عددي ليستوفي الصورة المؤسساتية، ما يعني إفراغ القضية من محتواها الجوهري بمنأى عن قيمة المشاركة ومدى فاعليتها.
وعقب استكمال النصاب القانوني للبرلمان السوري، التمثيل الكوردي يتصدر المشهد على اعتباره قضية يجب مقاربتها بصورة أقرب لاستحقاقاتها، تتجاوز الشكل العددي تحت قبة البرلمان، وتناولها بوصفها قضية شعب ذات طابع سياسي، لا اختناق متجذر يمس هيكلية المشهد السياسي الكوردي لا سيما في ظل المرحلة الانتقالية وتعقيداتها المتشابكة، وهنا يطفو السؤال على السطح: هل نحن إزاء تجلٍّ من تجليات الإفلاس السياسي، أم تجسيد سياسي ملموس؟
لم يعد يقتصر الإفلاس السياسي على الحضور الخجول داخل الدولة ومؤسساتها، بل على قابلية الثقل السياسي وقدرته على تحليل التغيرات والتعقيدات ضمن المشهد بما يتوافق مع برنامج إصلاحي يعزز تواجده ويفعل دوره.
فالإرث السياسي كان، ولا يزال، يؤكد أن النزاعات هي من تبرهن مقدار تصورات الأطراف المؤثرة والفاعلة نحو المستقبل فيما إذا كانت ستتكيف مع التحولات والمستجدات أم لا عبر تفكير استراتيجي بعيدا عن الاعتبارات الظرفية كي لا تتحول السياسة إلى معالجة مرحلية للمعضلات والاضطرابات.
في ضوء ذلك، لا يمكننا تقليص قضيتنا الكوردية، التمثيل السياسي الكوردي داخل البرلمان السوري، بما نلناه من الكتلة البرلمانية، بل بقدرة الممثلين في طرح قضيته والمطالبة الجريئة بحقوقه الدستورية والدفاع عنها وتجسيدها في سياسات فاعلة وحقيقية، فالقوة التمثيلية ليست إلا مشاركة صورية إلا إذا ارتكزت على حجم التأثير في معادلات القوى عبر مشروع سياسي واضح وموحد، ورغبة حقيقية في الانفتاح التفاوضي في ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، وخطاب بنّاء يناسب الواقع الجديد.
ومن هذا المنطلق، الإفلاس السياسي بمعناه العميق ليس الطعن في الفرد المنتخب أو زعزعة الثقة بمشاركته في البرلمان، بل في مساءلته للمشروع السياسي حول مدى امتلاكه القوة الواقعية في طرح رؤية جادة للمشاركة في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بعيدا عن تكيفه مع المتغيرات الجديدة عبر الأطراف الأخرى التي تستند إلى منطق الإدارة الآنية، وحين تغيب هذه الرؤية والبرنامج السياسي، نصبح أمام أشد أنواع الإفلاس السياسي ضررا وتهديداً.
اليوم، يتساءل الكورد: أين تكمن نواة تمثيلهم السياسي داخل البرلمان السوري؟ سؤال ربما يتخطى الحصص داخل المؤسسة التشريعية ليطرح فيما إذا كان الأشخاص المنتخبين والمعينين شركاء في بلورة القرارات، ولديهم المقدرة للتعبير بصورة حقيقية عن طموحات شعبهم وقضاياه ضمن الأطر الوطنية الجامعة بعيدا عن الإقصاء والتهميش كما السابق في عهد النظام العفلقي.
في السياق الكوردي، التمثيل السياسي ليس في عدد المقاعد، كما يظنه البعض، ومن يشغلها والقيام بدور مؤسساتي ليضفي صورة التنوع على المشهد السياسي، بل المسألة أعمق بكثير تتعدى لتركز بشكل أساسي على الاعتراف المجتمعي والسياسي، والقدرة لإدراج القضية الكوردية على طاولة النقاش الوطني السوري، ليكون انعكاساً طبيعيا لإرادة ورؤية شعب بأكمله، مع منح الممثلين مساحة من الحرية في صناعة القرارات والتأثير في التشريعات.
من جانب آخر، هذا المسار الزمني يكشف لنا الشرخ العميق بين الحضور المؤسساتي والدينامية السياسية.
حيث الحضور الفردي بات هو الغالب نتيجة انحسار الأهداف الجامعة وإطار التعاون المشترك بدلاً من تمثيل قضية وطنية تجمع لا تفرق، وهنا يبرز المأزق الحقيقي؛ فنحن الكورد بحاجة ماسة للوجود ذات الأثر الملموس والإسهام في البناء عبر رؤية واضحة وتكافؤ المواطنة لجميع السوريين والسوريات.
هنا، لابد من عرض السؤال الذي يفرض نفسه: هل يُعتَبر التمثيل الكوردي إفراز توازنات شُكلت خارج إطار الموقف الكوردي وإرادته، أم أنه سيعكس وزنا سياسياً فاعلاً في عملية بناء سوريا الجديدة بما يحفظ حقوق الشعب الكوردي ومطالبهم؟
في خضم المرحلة الانتقالية السورية، جميع التغيرات باتت تفرض إعادة صياغة مفهوم الدولة ومؤسساتها، وتفكيك دقيق لإنتاجية الفاعلين السياسيين وعلى رأسهم الكورد.
وإذا كانت السلطة تدعو دائما إلى بناء سوريا خالية من التفكك والتهميش، فإن هذه الغاية لن تتحقق عبر تمثيل شكلي للسوريين والسوريات مهما لاحت ملامح الاستقرار والتكافؤ.
فالتحالف السياسي المشترك بين السلطة والمواطنين يُقيَّم وفقاً لحجم الإشراك في هندسة القرار وإدارته، وإعداد السياسات التي تؤسس لمعالم البلاد في حقبته الجديدة.
وبالنسبة للكورد، هناك الكثير من التساؤلات المشروعة حول تفعيل دورهم الحقيقي داخل البرلمان والنهج الذي تعتمده السلطة في التعامل مع ثاني أكبر قومية في سوريا.
فهم مكون وشعب أصيل على أرضه التاريخية السياسية والاجتماعية منذ الأزل، لذا فإن انكماش وحصر وجودهم في قبة صورية، يبرهن غياب الشراكة الحقيقية التي يطمح إليها الجميع.
لذلك، فإن أي مسار للتحول السياسي يتعرض شرعيتها لاهتزاز كلي حينما يكون التمثيل رمزيا دون مشاركة حقيقية في مراكز صنع القرار في دمشق.
وهذا ما يمكن عده المشاركة الشكلية بمنأى عن أي اعتراف سياسي فيما يتعلق بالعقد والحوار والقرار الوطني الجامع، ما يحوِّل التمثيل إلى أداة لشرعنة المشهد السياسي.
لهذا، السلطة اليوم أمام اختبار جاد حول قدرتها على تغيير خط السياسة من التمثيل إلى الشراكة.
سياسياً، لا تقاس، قيمة التمثيل في البرلمان السوري اليوم بعدد المقاعد، بل بمدى التأثير الذي لا بد منه.
وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تصيغ ملامح سوريا الجديدة يعاد طرح إشكالية الشراكة الكوردية نحو سؤال جوهري يبقى مفتوحاً: هل ستتعامل السلطة مع الكورد بوصفهم شركاء، أم مجرد جزء من الشعب السوري يستحضَر لإتمام صورة التمثيل السياسي؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك