نجح علماء البرديات وفريق تقني من تحدي فيزوف بجامعة كنتاكي في فك رموز وترجمة مخطوطة يونانية قديمة متفحمة بالكامل تحمل الرمز (PHerc.
1667)، والتي دفنها بركان فيزوف الشهير قبل نحو ألفي عام، وفقا لما نشره موقع" news.
artnet".
ويعود أصل هذه المخطوطة إلى خمسينيات القرن الثامن عشر، عندما اكتُشفت داخل" فيلا البرديات" في مدينة هيركولانيوم الأثرية، وهي الفيلا التي يعتقد المؤرخون أنها كانت ملكًا للسيناتور الروماني لوسيوس كالبورنيوس بيزو كايسونينوس، وتُمثل المكتبة اليونانية الرومانية الوحيدة الناجية من العالم القديم بما تحتويه من 1800 لفافة هشّة استعصى فردها لعقود طويلة.
وجاء هذا النجاح ليضع حدًا لقرون من المحاولات الأكاديمية الفاشلة والمدمرة، حيث تعرضت الطبقات الخارجية للمخطوطة لأضرار جسيمة جراء ثلاث محاولات يائسة لفكها يدويًا بين القرن التاسع عشر وثمانينيات القرن العشرين.
ونظراً لخطورة التعامل المباشر مع هذه اللفائف الهشة، أطلق" تحدي فيزوف" مسابقة عالمية منذ عام 2023 لتحفيز علماء الحاسوب بجوائز مالية ضخمة.
وقد بدأت الثمار الأولى لهذه المبادرة في أكتوبر من نفس العام عندما نال طالب بعمر 21 عاماً جائزة بقيمة 40 ألف دولار لفك شفرة الكلمة الأولى، وتبعه فوز ثلاثة باحثين بالجائزة الكبرى البالغة 700 ألف دولار بعد قراءتهم لعدة مقاطع، وصولاً إلى فك رموز البردية بالكامل بنجاح، مما يفتح الباب لآلية ترجمة شاملة وقابلة للتطوير مستقبلاً.
وأوضح برنت سيلز، مؤسس تحدي فيزوف، أن العملية اعتمدت على تحسين التصوير المقطعي بالأشعة السينية بتقنية التباين الطوري، والتي أُجريت باستخدام مسرع جسيمات وسنكروترون في فرنسا والمملكة المتحدة لضمان دقة مسح عالية جداً.
وبالتوازي مع ذلك، قام الفريق التقني بتطوير وتحديث البرمجيات الرقمية بشكل ملحوظ لتقوم بتحليل البيانات بدقة فائقة، مما أدى في النهاية إلى كشف سطح الكتابة الكامل للمخطوطة والبالغ طوله نحو 4.
5 قدم، ليظهر للنور 22 عموداً من الكتابة اليونانية القديمة التي ظلت محجوبة داخل الرماد البركاني لألفي عام.
وعلى الرغم من هذا النجاح التقني المبهر، إلا أن الأضرار التاريخية السابقة التي لحقت بهذه القطعة الأثرية، البالغ سمكها 0.
78 بوصة، جعلتها لا تقدم سوى الأجزاء المتبقية من الثلاث بوصات السفلية لأعمدتها الأصلية، والتي كان يتراوح ارتفاعها الكلي بين 7.
5 و9.
5 بوصة.
ووفقاً للإعلان الصادر مؤخراً، فقد كشف الخبراء أن مضمون النص يمثل" رسالة فلسفية في الأخلاق" تسلط الضوء على الطبيعة البشرية، والدافع، والتقدم الأخلاقي للبشر، حيث اختتمت المخطوطة عمودها الثاني والعشرين بذكر" أريستوكريون"، وهو أحد أتباع وأقارب الفيلسوف الرواقي البارز خريسيبوس.
وتشير طبيعة الكتابة اليدوية والمراجع الواردة في النص إلى أن المخطوطة تعود تاريخياً إلى الفترة ما بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، مما يمنحها قيمة استثنائية كواحدة من أقدم المخطوطات المكتشفة في الفيلا، ويدل في الوقت ذاته على أن مؤلفها ليس" فيلوديموس الجداري"، الكاتب الأكثر شهرة في هذه المجموعة.
وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة في الفريق" أليسيا لافورانتي" أن الفيلا تضم مؤلفات لأسماء كبرى مثل إبيقور وكريسيبوس، مرجحة أن يكون النص عائداً لأحدهما أو لشخصية جديدة تماماً لم تُعرف من قبل.
ولم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، بل تزامن الاكتشاف الأخير مع مفاجأتين أثريتين، حيث أسفرت الجهود المبذولة لترجمة المخطوطة (PHerc.
Paris 4) عن نتائج واعدة في مجال تصوير الحبر رقمياً، كما تمكن الباحثون من تحديد عنوان ومؤلف المخطوطة (PHerc.
139) بدقة، ليتبين أنها الكتاب الثامن من مؤلَّف" عن المعبودات" لفيلوديموس.
ويتطلع مشروع" تحدي فيزوف" حالياً إلى تطبيق هذه النتائج والتقنيات المبتكرة على المزيد من المخطوطات المتفحمة، بهدف إتاحة كنوز" فيلا البرديات" للعلماء والباحثين في جميع أنحاء العالم وإعادة كتابة التاريخ الفلسفي برؤية رقمية عصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك