في فضاء الدراسات الاستشراقية الواسعة حيث تباينت المقاصد وتعددت المناهج بين التبشير بالاستعمار والتنقيب المعرفي، تبرز قامة ألمانية استثنائية استطاعت أن تحفر اسمها بحروف من نور في ذاكرة الثقافة الإسلامية والعالمية؛ إنها المستشرقة والمفكرة الكبيرة آنا ماري شيمل" 1922-2003م"، التي لم تكن مجرد باحثة تعكف على دراسة النصوص الشرقية، ولكن كانت مستشرقة منصفة وعادلة وعاشقة متيمة بجماليات الحضارة الإسلامية، حيث استطاعت بفيض إلهامها أن تكسر الجليد بين الشرق والغرب، وتمد جسورا من الود والتفهم العميق.
لم تكن رحلة آنا ماري شيمل نحو الشرق وليدة صدفة عابرة، بل نبعت من شغف مبكر باللغات والروحانيات، فقد أتقنت العربية والفارسية والتركية والأوردية؛ مما مكنها من الغوص في أعماق التراث الإسلامي الأصيل، ولعل ما يميز نهجها عن غيرها من المستشرقين الكولونياليين، هو انتماؤها الواضح إلى مدرسة الاستشراق الرومانسي؛ وهو نهج إنساني يعمل على دراسة الثقافات الأخرى انطلاقا من منطقها الداخلي ومنظومتها القيمية الخاصة، بعيدا عن أي أحكام مسبقة أو استعلاء معرفي.
بدأت آنا ماري شميل رحلتها الأكاديمية المبكرة متأثرة بتاريخ الحضارة الإسلامية العريقة، لتنتقل بعدها من التاريخ إلى أفق أرحب وأعمق، ألا وهو بحر التصوف الإسلامي، الذي شكل جوهر مشروعها الفكري وحياتها الشخصية، لقد غاصت في أشعار مولانا جلال الدين الرومي، فكانت كتاباتها عنه وعلى رأسها دراستها الموسوعية" الشمس المنتصرة" فتحًا جديدًا في قراءة الفكر الصوفي وفهمه في سياقه الحضاري والفلسفي المتكامل، ولم تقف إنجازاتها عند حد الصوفية، ولكن امتدت لتشمل دفاعًا مستميتًا عن شخصية النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حيث تجلى ذلك بوضوح في كتابها المرجعي البارز وأن محمدا رسول الله، الذي فندت فيه الرؤى الاستشراقية السلبية وقدمت صورة ناصعة ومشرقة للإسلام عقيدةً وتاريخا ووجدانا، إنها سيدة عبرت الحدود الجغرافية والثقافية، فحظيت بتقدير استثنائي في العالم الإسلامي، ونالت جوائز عالمية مرموقة تقديرا لجهودها في حوار الحضارات.
وتأمل كيف استطاعت فتاة ألمانية أن ترى بعين القلب جمال الإسلام، وكيف وظفت علمها الغزير لإنصاف حضارةٍ طالما أُجحف بحقها، وللإبحار في عالم آنا ماري شيمل، لفهم تقاطع الأديان، ولإدراك كيف يمكن للعلم أن يكون أداة للحب والسلام والتقارب الإنساني.
وُلدتآنا ماري شيمل في ٧ أبريل ١٩٢٢م بمدينة إيرفورت وسط ألمانيا، لعائلة بروتستانتية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، ونشأت في بيئة محبة للقراءة والبحث، حيث كان والدها مهتما بالفلسفة والمؤلفات الصوفية، بينما كانت والدتها قارئة نهمة.
منذ طفولتها، أظهرت شيميل شغفاً استثنائياً بالشرق وعوالمه، فكانت ترتب الكلمات أبجديا.
كانت شغوفه باللغات ودرست الإنجليزية والفرنسية، وبدأت في تعلم اللغة العربية في سن الخامسة عشرة، واتقنت عده لغات بطلاقة مثل الإنجليزية والفرنسية والعربية والفارسية والتركية والأردية، وبفضل تفوقها تجاوزت صفوفا دراسية عدة، وأتمت دراستها الثانوية في السادسة عشرة، وفي عام ١٩٤١م، ونالت درجة الدكتوراه الأولى من جامعة برلين في اللغات الشرقية والحضارة الإسلامية ولم يتجاوز عمرها تسعة عشر عاماً، وحصلت على درجة الدكتوراه الثانية في تاريخ الأديان عام ١٩٥٤م، ونالت درجة ثالثة في التصوف الإسلامي.
بدأتآنا ماري شيمل مسيرتها بالتدريس في عدة جامعات، فشغلت منصب أستاذة تاريخ الأديان في جامعة أنقرة بتركيا عام ١٩٥٤م؛ مما أتاح لها الانخراط العميق في الثقافة الإسلامية.
وعقب ذلك، انتقلت للتدريس في جامعة بون بألمانيا، قبل أن تلتحق بجامعة هارفارد الأمريكية في عام ١٩٦٧م كأستاذة لثقافة الهند الإسلامية، حيث درست هناك حتى تقاعدها عام ١٩٩٢م.
موقفها من الحضارة الإسلاميةتميزت شيمل عن غيرها من المستشرقين بموضوعيتها الشديدة، حيث انحازت إلى قيم التواصل والحوار الحضاري بدلاً من الصدام، ركزت في دراساتها على إبراز البعد الروحي والجمالي للإسلام، لا سيما من خلال التصوف، معتبرة أن" الإنسان عدو ما جهل"، كما سعت طوال حياتها لإزالة الشكوك الغربية حول الإسلام، ودافعت عنه بشراسة ضد اتهامات التطرف والرجعة.
ونالت تكريمات واسعة في العديد من الدول الإسلامية تقديرًا لجهودها.
لقد ألفت شيميل أكثر من 100 كتاب بين مؤلف وترجمة، وكتبت مقالات لا تحصى بعدة لغات، ومن أهم مؤلفاتها التي أثرت المكتبة الإسلامية:1- كتاب" الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف" يعد هذا الكتاب، الذي نشر عام ١٩٧٥م بناء على محاضراتها في جامعة هارفارد، ومن أهم المراجع العالمية في دراسة التصوف الإسلامي، ونجحت آنا ماري شيمل في تفكيك المفاهيم الصوفية المعقدة، وقدمت شرحًا وافيًا لتاريخ التصوف، وعلاقة الإنسان بالله من خلال الحب الإلهي، متجاوزة الصورة النمطية التي حاول البعض إلصاقها التصوف.
2- كتاب" محمد رسول الله" وهو تكريم للنبي في الفكر الإسلامي، ولقد صدر هذا العمل الضخم بلغتين الألمانية والإنجليزية في ثمانينيات القرن العشرين، وهو من أجرأ وأصدق مؤلفاتها، وتناولت فيه مكانة النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قلوب المسلمين عبر العصور، وتأثيره في الأدب والشعر الإسلامي، وتعرضت بسببه لهجوم حاد من الإعلام الألماني حينها، إلا أنها واجهته بشجاعة قائلة: " نعم إني أحبه".
3- كتاب" الشرق والغرب" تقدم فيه آنا ماري شيمل سيرة ذاتية فكرية تروي رحلتها بين الثقافات وتفاعلها العميق مع العالم الإسلامي، ويُعد الكتاب وثيقة مهمة تكشف كيف استطاعت باحثة ألمانية تجاوز الحواجز الثقافية لتصبح جزءاً من الوجدان الشرقي والإسلامي.
4- كتاب" الشمس المنتصر" دراسة في ديوان جلال الدين الرومي، وكرست آنا ماري شيمل جزءًا كبيرًا من أبحاثها للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي، ويُحلل هذا الكتاب أشعار الرومي ورموزها، محاولاً شرح الفلسفة العميقة والمحبة الإلهية التي بنيت عليها أشعاره، وكيف يمكن لفكره أن يوحد بين البشر.
5- كتاب" الفنون الإسلامية" لم تقتصر أبحاثها على الدين والأدب، ولكن امتدت لتشمل الفنون، ففي هذا الكتاب، قدمت قراءة تحليلية للخط العربي، والعمارة، والزخرفة الإسلامية، وكيف تعكس هذه الفنون الروحانية الإسلامية العميقة، وعملت مستشارة للخط الإسلامي في متحف متروبوليتان في نيويورك.
القيمة العلمية والإنسانيةتميزت أعمال آنا ماري شيمل بالإنصاف والابتعاد عن الاستشراق الاستعماري، وركزت على إبراز القيم الإنسانية المشتركة والتواصل الحضاري.
1- سئلت ذات مرة عما إذا كانت تعتبر نفسها مستشرقة، فأجابت بفخر، نعم، أنا مستشرقة، وأنا أفخر بذلك؛ فالاستشراق نافذة حية للتفاهم بين الأديان والحضارات والثقافات، وليس بعدو للإسلام.
2- إننا نجد أنفسنا اليوم أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلام كشعار، وهي أبعد ما تكون عن أسسه الدينية وأصوله.
3- سأظل عاشقة للعالم العربي والإسلامي حتى وفاتي.
4- قالت طريقي ليس هو طريق التصريحات والبيانات، ولا الإثارات والزوابع، إنني أومن أن الماء الصافي سوف ينتصر بحركته الدءوبة على مر الزمن.
5- ينظر إلى كل إنسان في الحضارة الإسلامية على أنه مرآة لله، حيث يتجلى الجمال والنظام والرحمة والحكمة في أدق تفاصيل خلقه.
6- الحضارة تقوم على مفهوم الحب الإلهي والسعي نحو الكمال الروحي، وهو المحرك الأساسي لإبداعات المسلمين في مختلف العلوم والفنون.
عكست عمق حبها وتعلقها بالثقافة الإسلامية وصيتها قبل وفاتها؛ حيث طلبت أن يقرأ القرآن عند رأسها، وأن تكتب مقولة للإمام علي ـ عليه السلام ـ على شاهد قبرها" الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا".
وقد توفيت في ألمانيا عام 2003، تاركة خلفها إرثًا خالدًا جعلها واحدة من أكثر الباحثين تقديرًا في العالم الإسلامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك