بعد يوم واحد فقط من إعلان تشكيل أعضاء مجلس الشعب السوري الجديد وتحديد موعد انعقاد أولى جلساته، في خطوة هي الأهم نحو تأسيس الدولة الجديدة وتشكيل ملامحها التشريعية والقانونية؛ يقع انفجار بالقرب من القصر العدلي بدمشق مستهدفاً محامين وحقوقيين، ذنبهم الوحيد أنهم تعوّدوا على تحويل فترات استراحاتهم السريعة إلى مراجعة مذكّراتهم ومرافعاتهم ودعاوى موكليهم فوق طاولات مقهى شعبي، مع كوب شاي أو فنجان قهوة، أو بدونهما.
هزّ نبأ تفجير مقهى" المشيرية" الذي وقع أمس الخميس، مشاعر عموم السوريين الذين لم يكتمل لدى طيف واسع منهم شعور الفرح بالعودة إلى الوطن، وسقوط نظام الأسد، بسبب سلسلة الأحداث الأمنية والاستهدافات التي تعرضت لها البلاد عقب ذلك السقوط.
إلا أن النبأ كان له وقعه الخاص من الألم والحزن على فئة القانونيين والمحامين الذين فجعوا بارتقاء سبعة من زملائهم وإصابة ثمانية آخرين جراء انفجار العبوة الناسفة التي زُرعت في" مكان عملهم وتعبهم، والذي يكسبون فيه قوت يومهم، قبل أن يحصلوا على وقت راحة يكاد يكفيهم لشرب كأس من الماء"، بحسب تعبير أحد أولئك الزملاء.
ويوضح المحامي محمد زهوة في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن غالبية المحامين الذين يرتادون مقهى المشيرية، لا يمتلكون مكاتبهم الخاصة لمزاولة المهنة، كما وأن معظمهم ينحدر من مدن وأرياف مختلف المحافظات السورية، وهم يقصدون المقهى نظراً لقربه من القصر العدلي ولأسعاره" الرحمانية"، وفيه يقدمون خدماتهم واستشاراتهم لعموم المواطنين ولموكليهم لقاء أتعابهم.
ويضيف زهوة: " إنهم محامون كادحون، يزاولون مهنتهم بشقاء منقطع النظير.
يقدّرون ظروف الناس ولا يستغلّونها، ولذلك تجد بدل أتعابهم منخفض في معظم الأحايين، وبالكاد يكفي لتغطية أجور الطريق وثمن طعام الأسرة".
ويختم قائلاً: " لذلك فإن حزننا جاء هذه المرة مضاعفاً؛ بسبب فقداننا زملاء في العمل والمهنة، وبسبب علمنا بأوضاعهم الصعبة وأخلاقهم العالية قبل رحيلهم".
وبحسب آخر إحصاء لوزارة الصحة السورية، فقد أسفر التفجير عن ارتقاء 10 أشخاص وإصابة 21 آخرين.
وأفادت نقابة المحامين السوريين بأن من بين القتلى 7 محامين، هم: مهند خلف، محمود شهاب، عيد محمد، فتحي القباني، محمد شمالي، حسام الصفدي، محمد زهير عسكر.
وأضافت أن 6 محامين آخرين أصيبوا من جراء التفجير، وجرى إسعافهم إلى مستشفى دمشق (المجتهد).
من جانبها، أصدرت وزارة الداخلية بياناً أوضحت فيه أن" التفجير الإرهابي" وقع عند الساعة الثالثة بعد ظهر الخميس، على بعد نحو 70 متراً إلى الجهة الغربية من القصر العدلي، وهو ناجم عن عبوة ناسفة بدائية الصنع تزن نحو كيلوغرام واحد، جُهزت بشظايا معدنية، ما أدى إلى وقوع إصابات بالغة وأضرار كبيرة في المكان.
وجرى نقل المصابين، بحسب بيان الداخلية، إلى مشافي دمشق والهلال الأحمر وابن النفيس والرشيد والمواساة، لاتخاذ الإجراءات والإسعافات اللازمة، مشيراً إلى أن حالة الإصابات تتنوع بين الخفيفة والمتوسطة والشديدة.
خيط رفيع بين الموت والنجاةقصص موجعة عديدة روتها صور الضحايا والمقاطع المصورة القادمة من مكان التفجير داخل المقهى، ولعل من أبرزها صورة المحامي عيد محمد الذي بقي -رغم وفاته- جالساً على مقعده وهو يمسك بأوراقه الموضوعة على الطاولة، ويطالعها عبر نظّارته المحطمة التي تدلّت إلى أسفل عينيه.
قصص أخرى رواها مقرّبون من الضحايا، من بينها قصة" ريما وهبة" الحقوقية المتمرّنة عند المحامي محمود شهاب، أحد الذين قضوا بالتفجير.
وبصوت مرتجف يشوبه الحزن وصدمة الحدث، تروي ريما لموقع تلفزيون سوريا تفاصيل الدقائق الأخيرة السابقة لرحيل أستاذها، فتقول: " خرجت مع أستاذي محمود شهاب من القصر العدلي وبرفقتنا أحد الموكلين.
وعند باب مقهى المشيرية التي اعتدنا على الجلوس فيها، دعاني الأستاذ محمود والموكّل لمشاركتهما في شرب فنجان قهوة، لكنني اعتذرت منهما بسبب التعب وحرارة الطقس، واضطراري للعودة إلى المنزل".
وتتابع وهبة: " للحظة، كنت سأستجيب للدعوة ولكن شاءت الأقدار أن أودعهما وأتجه إلى البيت".
بمجرد دخولها المنزل، أبلغتها والدتها بوقوع الانفجار.
وعلى الفور تذكرت ريما وجود أستاذها والموكّل في تلك المقهى، فأمسكت الهاتف وراحت تتصل برقم المحامي شهاب.
تقول ريما: " اتصلت أكثر من مئة مرة بدون رد، ثم كررت المحاولة حتى أجاب على الهاتف أحد أفراد شرطة القصر ليبلغني بأن أستاذي مصاب، وبأن إصابته حرجة، ولم يكن يتحرك حين جرى نقله إلى المستشفى".
وعقب انتشار مقاطع الفيديو الخاصة بالحادثة، تعرّفت ريما على المحامي شهاب من خلال ثيابه، وتضيف: " في المقطع، ظهر أستاذي وهو مستلقٍ على الأرض بدون حراك، عندها تأكدت تماماً بأنه قد فقد الحياة".
وتستطرد: " كان يفترض أن أكون ميتة الآن"، مشيرة إلى أنها لا تعلم حتى اللحظة بمصير الموكّل.
وتوضح ريما أن الراحل كان على قدر عالٍ من الإنسانية والأخلاق الطيبة، وبأنه ترك وراءه زوجته ربة المنزل، و4 بنات أكبرهن في الصف الثامن وأصغرهن بعمر 3 سنوات.
أصواتهم عالقة داخل المقهىفي ركن المقهى الذي كان يعجّ يوما بروّاده، يستعيد أحمد عامل البوفيه (الساقي)، تفاصيل سنوات طويلة من العمل امتدت لأكثر من عقدين، قائلاً: " صار لي 23 سنة أعمل في المقهى، من أيام كانت كاسة الشاي بـ12 ليرة".
ويضيف أنه بات يعرف زبائن المكان فرداً فرداً، ويستطيع تمييز احتياجاتهم ومزاجهم من خلال أصواتهم: " كنت أعرف كل واحد يجي على المقهى، أعرف شو بيزعلهم وشو بيفرحهم".
ويستذكر أحمد المحامين الذين قضوا في التفجير، واصفاً إياهم بأنهم" كانوا خدومين لأبعد حد"، مشيراً إلى أن الكثير من الاستشارات القانونية كانوا يقدّمونها بدون مقابل، وأنهم كانوا يتولّون قضايا لموكلين فقراء من دون أي أتعاب.
ويتابع: " أوضاعهم المادية كانت عادية، لكن أخلاقهم كانت عالية جدا".
وعن لحظة التفجير، يقول: " دخلت المقهى أجيب طلب لواحد من المحامين، وفجأة صار التفجير" ويضيف: " لما شفت الكل على الأرض، نزلت معهم، رجلي ما عادت تشيلني".
ويختم بالقول إن أصواتهم ما تزال عالقة في ذاكرته: " لسا أتذكر أصواتهم بداخل إذني.
كنت أعرف مين يناديني، وشو بدو يشرب من صوته".
في الجانب النقابي، أكد عضو مجلس فرع نقابة المحامين بدمشق، عبد الرحمن العبد الله، أن النقابة تتابع باهتمام مجريات التحقيق في التفجير الذي استهدف المحامين داخل مقهى المشيرية، مشيراً إلى وجود تنسيق مستمر مع وزارة الداخلية للوقوف على ملابسات الهجوم.
وقال العبد الله في تصريح لموقع تلفزيون سوريا، إن نقابة المحامين تتابع الحالة الصحية للمصابين بالتنسيق مع وزارة الصحة، وبأنها ستوفر جميع أشكال الدعم والرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء.
وأوضح أن النقابة قررت إقامة حفل تأبين للشهداء يوم الإثنين المقبل، مبيناً أن فكرة تشييعهم في مراسم جماعية غير ممكنة نظراً لأن الضحايا ينحدرون من خمس محافظات سورية مختلفة، ما يجعل تنظيم مراسم موحدة أمراً بالغ الصعوبة.
وأضاف أن النقابة ستكلّف عدداً من أعضائها بمتابعة القضايا التي كان يتولاها المحامون الذين قضوا في التفجير، بهدف ضمان عدم تضرر حقوق الموكلين أو تعطّل أعمال مكاتب الضحايا.
وأشار العبد الله إلى أن فرع النقابة سيبدأ خلال الأيام المقبلة بتنظيم زيارات للمصابين وعائلات الشهداء لتقديم الدعم والمساندة، إلى جانب إمكانية بحث إنشاء صندوق خاص لدعم أسر الشهداء، بالتنسيق مع الفروع الخمسة التي ينتمي إليها الضحايا والنقابة المركزية.
العبوة الناسفة أدخلتها" سيدة" إلى المقهىفي سياق متصل، نفى العبد الله صحة الأنباء المتداولة بشأن إلقاء القبض على انتحاريين كانوا يحاولون دخول القصر العدلي، مؤكداً أن هذه الرواية" مختلقة ولا تستند إلى أي أساس".
وكشف أن المعطيات الأولية تشير إلى أن العبوة الناسفة أُدخلت إلى مقهى المشيرية بواسطة سيدة كانت ترتدي غطاءً للرأس ونظارات، حيث وضعت كيساً يحتوي على العبوة وغادرت المكان قبل وقوع الانفجار، ورجّح أن تكون المرأة قد حاولت في البداية إدخال العبوة إلى القصر العدلي، إلا أنها لم تتمكن من ذلك بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، ما دفعها إلى تركها داخل المقهى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك