لم يتواتر في الوقت الحالي مصطلح «صراع الحضارات»، إلى أنْ صار موضوعاً متداولًا لا تنجو منه الحياة اليومية.
لكن على النقيض قلَّما يناقش العلماء والباحثون، وقبل منهم رجل الشارع العادي، مسألة «انتقال الحضارات»، بالرغم من أنها أضحت حاليًا معضلة غاية في الأهمية، ولقد أجج من أهميتها تسابق الدول في تسجيل اختراعات واكتشافات باسمها، بالرغم من أنه، حتى نهاية القرن الماضي، لم يكن لهذا الموضوع أهمية قصوى كما هو الحال حاليًا، إن لم يكن ذا بال.
فما يحدث في الوقت الحالي أن كل شعب من شعوب العالم يحاول تأصيل جذوره في ظلّ عالم صار يتَّجه نحو التماثل ومحو الاختلافات؛ والسبب في ذلك هو أوَّلًا شبكة الإنترنت التي حوَّلت العالم إلى قرية صغيرة يسهل تواصل أبنائها في أي وقت.
أضف إلى هذا، تفشِّي وسائل التواصل الاجتماعي التي تحوَّلت من كونها مجرَّد ظاهرة، إلى أداة تعليمية لا توثِّق تاريخ الأمم، كما هو الحال في جميع الفنون البصرية، بل تعمل على تدويل وتأصيل عادات جديدة في نفوس الأجيال الحالية، ومن بعدها الأجيال اللاحقة، إلى أن تذوب الهويات جميعًا وتنصهر في بوتقة حضارة موحَّدة لا يعلم أحد جذورها، إلَّا من استطاع أسلافه تقييد سجلَّات موثَّقة للإنجازات الحضارية التي تميَّزت بها تلك الأمم في الماضي؛ لتكون منطلقًا لبعض الاختلافات ومحاولة للإبقاء على جذوة الهوية مشتعلة، حيث إنه لسوف يسهل إخمادها في رؤوس أجيال لاحقة قلَّما تعير انتباهًا للماضي.
ولكن لا يجب الظن أن عملية إنصهار الهويَّات تلك في بوتقة أخرى هي وليدة العصر الحالي؛ فكل حضارة قامت على أكتاف أخرى عملت على توفير نقطة الإنطلاق أو حتى الأساس الذي من خلاله تطوَّرت تلك الحضارة وصارت مُصدِّرة للأفكار، ويسعى الجميع للسير على خطاها.
وقد يستثنى من ذلك عدَّة حضارات قديمة لا يتجاوز عددها الخمس صدَّرت أفكارها للعالم أجمع.
وإن كان كل العجب اكتشاف أن جميع تلك الحضارات، بشكل أو بآخر، تلتقي في نقاط كثيرة؛ مما يعني أنه إمَّا كانت سبل التواصل فيما بينها سهلة ومتاحة، أو أن الجميع انبثق من رحم حضارة واحدة، وهذا ما يسعى العلماء لاكتشافه.
ولقد أضاء شموع العالم القديم الحضارة الإسلامية التي صارت مترامية الأطراف، وكان من السهل التفاعل معها والنهل من علومها، بفضل سهولة حركة التنقُّل بين أرجائها، التي شملت تقريبًا جميع أنحاء أوروبا وما يسمَّى بالشرق الأوسط في الوقت الحالي، بل إنه أيضًا في بعض عصورها امتدَّت إلى أدغال إفريقيا السمراء، لتكون بذلك سبقت الأوروبيين في اكتشاف وجود تلك الشعوب.
ويعد العصر الذهبي لتألُّق وازدهار الحضارة الإسلامية هو العصر العباسي، وخاصة تلك الحقبة التي يطلق عليها «العصر العبَّاسي الذهبي»، والتي بدأت مع تولِّي الحاكم «هارون الرشيد» مقاليد الخلافة.
وفي هذا العصر، كان وزيره «جعفر بن يحى البرمكي» الذي يُعرف باسم «جعفر البرمكي» هو الذي فتح أبواب التمدُّين والحضارة في أبهى أشكالها ودمجها في الحضارة الإسلامية، وكان السبب في ذلك الاهتمام الشديد بحركة الترجمة وجلب الكتب من جميع أقطار الدوَّل؛ بغرض التعلُّم من علوم وآداب السابقين، وتطوير أغلب هذه العلوم، التي صار أغلبها حبيسًا للفافات الورق آنذاك.
وعلى هذا، ازدهرت الحركة العلمية، وزاد عدد الاختراعات والمخترعين، لتوافر سجلَّات كاملة لأفكار السَّالفين بسهولة ويسر؛ بسبب الترجمة.
ومن ثمَّ، بدلًا من أن تكون إحدى الحضارات قاصرة على إحدى الأمم، صارت العلوم الخاصة بها متداولة وممتزجة بعلوم دول أخرى، فلبست أثوابًا جديدة وظهرت للعيان وكأنّها اختراع صافٍ من بنات أفكار أحد الحضارات عينها.
وأمَّا النهضة الحقيقية لحركة الترجمة والعلوم كانت في عهد «الخليفة المأمون» (786-833)، الذي كان هو نفسه مولعًا بالعلم والعلماء، ورأي في الترجمة متنفَّسًا لولعه بالعلوم والاستزادة منه.
ومن الطريف أنه كان عندما كان يعقد صلحًا مع إحدى الحضارات، أنه كان يشترط أن ينقلوا له جميع الكتب الخاصة بهم.
ومن الطريف أنه كي يعقد صلحًا مع حكَّام جزيرة «قبرص»، ولكي يخفف عنهم قيمة الجزية، اشترط أن ينقلوا له جميع الكتب المخبَّأة في سراديب الكنيسة.
ولمَّا استشار كبير القساوسة الحاكم وأعرب عن كرهه لنقل هذه الأفكار المتمثلة في كتب الفلسفة والتأمُّلات لدولة أخرى نشبت بينهما خصومة، جاء رد الحاكم ساخرًا، وبسخرية شديدة قال: «فلتنفذ ما تاق له؛ فهذه العلوم ما إن دخلت شعبًا إلَّا وأفسدته».
لقد كان يعتقد الحاكم أن المراجع مفسدة؛ لأنها تأمر بإعمال العقل والبعد عن هيمنة رجال الدين والحاكم.
لكن، دون أدنى شكّ، كانت الكتب الفلسفية التي تدعو إلى إعمال العقل سببًا في ازدهار العلوم من خلال تعليم أبناء الشعب أسس التفكير والتمدين.
ولو كان هذا هو تأثير الحضارات القديمة على المشرق الإسلامي، فقد يقف البعض مطوَّلاً عن شعوب أوروبا التي كانت حينها غارقة في عصور الظلام، وشعوبها أقرب إلى الهمجية منها إلى التمدن، ولم يفلت من ذلك حتى أغنى الأغنياء الذين وصلوا لسدة الحكم بالرغم من أنهم كانوا يعيشون في ظروف اجتماعية واقتصادية أفضل، ويختلطون أكثر بسفراء حضارات مجاورة.
ولكن يسجِّل التاريخ فجأة نهضة تلك الشعوب في جميع المجالات، والتي قيل فيها إن السبب كانت الحملات الصليبية.
لربما كانت هذه الفرضية صحيحة، بيد أنّ ما يصعب فهمه هو النهوض المفاجئ لجميع أشكال الحياة اليومية والعلوم والفكر.
وبالتدقيق في الأمر يتضح أنه لا يوجد على الإطلاق طفرات مفاجئة في تاريخ الشعوب؛ لأن التطوُّر تدريجي ويتأتّى تباعاً من خلال تراكمات متوالية.
مما يعني أن التأثير الذي قدم من الشرق إلى دول الغرب كان سببه سفارات منفردة من أشخاص كان لهم السطوة والنفوذ في أن ينشروا أفكارهم على أوسع نطاق.
وأحد سفراء الشرق الذي نقل أحد جوانب التمدين الحضاري للغرب كان الموسيقار «زرياب» الذي فرّ من بطش معلِّمه الذي هدد بالإجهاز عليه إذا لمح سيرته مرَّة أخرى قرابة بغداد، ولهذا فرّ «زرياب» لأبعد نقطة لا يطاله فيها مُلّعمه وقاهره، وذهب إلى الخصم المنافس للدولة العباسية وهو «دولة الأندلس» التي أسسها «عبد الرحمن الدَّاخل» الذي فرّ من بني العبَّاس.
والأمر الذي جعل «زرياب» فرداً مرحَّبًا به في بلاط الأندلس، ليس كونه فاراً من الفريق المنافس والدولة الخصم فقط، بل لأنه لسوف ينقل جوانب حضارية هامة سائدة في الدولة التي فرّ منها إلى الأندلس التي كانت أقلّ تطوُّراً.
وبينما كان جلّ طموح خليفة الأندلس أن ينقل له «زرياب» التطوُّر الموسيقي، فاجأه الأخير بكونه عليماً بالكثير من الأمور الحضارية الهامة التي نقلت أوروبا بأكملها، والتي بوَّابتها كانت الأندلس، من حياة الهمجية إلى نظام حياة شديد الرقي والرفاهية.
ولقد سجَّل «زرياب» جميع إنجازاته أنها اختراعات من بنات أفكاره، ولم يذكر ممن اقتبسها، كما كانت العادة بين جميع الدول حتى قرونًا قريبة نسبيًا؛ لأن العالم كان يغض الطرف عن المنبع ويكتفي بالنتيجة.
فعلى سبيل المثال، يذكر التَّاريخ أن «زرياب» قام بإضافة وتراً خامساً لآلة العود، وصنع هذا الوتر من أمعاء الحيوانات المجففة ليكون أقوى صوتاً وأحدّ نغمة.
أضف إلى هذا، أنه صنع عوداً جديداً أخفّ وزناً ليسهل حمله من أخشاب رقيقة خفيفة، وذلك كي لا يكتم صوت أنغام الأوتار عند اصطدامها بالجسم الخشبي للعود؛ أي أنه شدد على أهمية مادة الصُّنع.
وكي يحافظ على أوتار العود ويجعلها أيضاً تُصدر أعلى النغمات، استخدم ريشة النسر القوية.
وبالتنقيب عن أساس هذه الاختراعات المذهلة، تم اكتشاف أن الكتب المترجمة التي تناولت الحضارة المصرية القديمة، وكذلك الاختلاط مع شعب مصر بعد دخول المسلمين لها، كانت تثري شغف «زرياب» في مجال الموسيقى، وخاصة وأن ولاة الفتح الإسلامي يسهبون الحديث عن وصف مصر وجوانبها الحضارية التي نقلتها إلى عامة الشعب.
ولقد استمدّ «زرياب» أفكاره من آلة الهارب الصغير المحمول خفيف الوزن الذي كان يتراوح عدد أوتاره فيما بين الأربعة والخمسة، ومصنوعة أيضاً من أمعاء الحيوانات المجففة، ويستخدم العازف ريشة النسر عند العزف.
وأمَّا في مجال الألحان الموسيقية نفسها، فلقد عمل «زرياب» على تقديم اللون النوبي الذي صادفه في رحلته الطويلة من بغداد إلى إسبانيا، والذي كان قد عرفه في بغداد من أسلافه ذوي البشرة السمراء.
وبعد النجاح الذي حققته أفكار «زرياب» الموسيقية، اتَّجه إلى أن يصير معلِّماً للإتيكيت والأساس الذي يقوم عليه فن الموضة في هذا العصر، وبهذا اتخذه حاكم الأندلس ليس فقط مستشاراً، بل أيضاً أشبه ما يكون أوَّل وزير للثقافة حينها.
فلقد علَّم «زرياب» الأندلس كيفية مدّ صمات الطعام واستخدام أوانٍ بديعة المنظر عند الطعام.
وكيف يجب تقسيم الوجبة إلى مراحل تبدأ بالشوربة وتنتهي بطبق اللحم.
وأنه يجب صنع أغطية للطاولات، واستخدام فوط للسفرة.
ولقد كانت كل هذه العادات مكتسبة حديثاً في خلافة «هارون الرشيد»، والطريف أن جميع هذه العادات ليست فقط موثقة على جدران المعابد المصرية القديمة، بل وأيضاً يتناولها الباحثون الغربيون بالبحث والدراسة، مما أزجى توثيقها في عدَّة مراجع.
واستناداً أيضاً إلى الحضارة المصرية القديمة، وعادات الشعب المصري التي عرفها آنذاك، علَّم «زرياب» شعب الأندلس تنويع الملابس، وارتداء ملابس صيفية زاهية الألوان خفيفة، وفي فصل الشتاء تكون أكثر ثقلاً وأغمق لوناً، بدلاً من ارتداء أهل الأندلس نفس نوعية الملابس في جميع الفصول بلا استثناء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك