القاهرة رمز للقوة الناعمة لمصريرجع تاريخ مدينة القاهرة إلى ما قبل ظهور اسم القاهرة نفسه، ولن نذهب بعيدا إلى أعماق التاريخ المصري القديم، حين وحد الملك مينا الوجهين في حوالي 2400 ق.
م، وأسس بذلك دولة مصرية اتخذ عاصمة لها مدينة كانت تقع بين الوجهين البحري والقبلي على شاطئ النيل، وهي مدينة منف، التي صار جزء من موقعها ضمن القاهرة الحالية.
هذه المقدمة كان لا بد منها حتى يمكن أن نفهم كيف أصبحت القاهرة، عاصمة مصر، جزءا من القوى الناعمة المصرية؛ ذلك أن هذه المدينة كان لها تاريخ عريق بدأ مع المصري القديم، واستمر أيضا بعد ذلك.
وفي الفترة التي تلت فتح عمرو بن العاص مصر، تم تأسيس مدينة جديدة هي مدينة الفسطاط عاصمة له، بعد أن رُفض طلبه في أن يتخذ الإسكندرية عاصمة له، إرضاء للمصريين الذين كرهوا أن تكون الإسكندرية عاصمة للعرب بعد أن كانت ترمز إلى ظلم الرومان واضطهادهم لهم.
ومن الواضح أن موقع الفسطاط كعاصمة كان أنسب كثيرا من الإسكندرية من نواح كثيرة، سواء كانت هذه الأمور متعلقة بالتجارة أو الظروف السياسية والاجتماعية والجغرافية واللوجستية؛ إذ إنه بدخول عمرو بن العاص إلى مصر أراد أن يبتعد عن الإسكندرية قدر الإمكان، لأنها كانت في ذلك الوقت موطنا للعناصر الأجنبية الحاكمة، ومركزا للثقافة اليونانية والرومانية، وكان المصريون يقيمون في الداخل، في قلب مصر.
وكان موقع الفسطاط يجمع بين مزايا عديدة؛ فمن جهة، يمكن الاتصال مباشرة بينها وبين المدينة، مركز الخلافة الإسلامية في الحجاز، عن طريق الصحراء التي اعتاد العرب سلوكها، ومن جهة أخرى، كان هذا الموقع الجديد يمتاز بحصانة طبيعية؛ إذ تحميه التلال من الشرق والشمال، ويحميه من الغرب خندق مائي هو نهر النيل، الذي كان في هذا الوقت نفسه يصل بين الشمال والجنوب.
وعلى الرغم من الخلاف حول تسمية الفسطاط بين العلماء، إلا أنهم اتفقوا في نهاية الأمر على أن كلمة" فسطاط" تعني الخيمة، والمقصود هنا خيمة عمرو بن العاص.
فلما فتح الحصن المعروف بقصر الشمع سنة 21 هـ، واستولى عليه، ضرب فسطاطه بالقرب منه، فسمي المكان بالفسطاط لهذا السبب.
وكان تخطيط الفسطاط لا يخرج عن تخطيط المدن الإسلامية القديمة، التي كان يتوسطها المسجد الجامع، ثم بعد ذلك تُحاط به المباني من الجهات المختلفة، وكانت تقسم المدينة إلى إقطاعات، كل إقطاع تسكنه قبيلة، وأخذ النمو العمراني يمتد من حول الجامع في اتجاه الشرق والشمال والجنوب.
وكانت بيوت الفسطاط، في أول الأمر، تحيط بالجامع مباشرة من ثلاث جهات، نظرا لأن النيل كان يجري بالقرب من هذه المدينة مباشرة، إلا أن المساحة الواقعة بين الجامع والنيل كانت تتسع تدريجيا كلما انحرف مجرى النيل إلى الغرب، ومن ثم أخذت هذه المساحة تتسع تدريجيا، وصارت بيوت الفسطاط تحيط بالجامع من جميع نواحيه، وتبلغ المساحة الآن بين جامع عمرو والنيل حوالي 500 متر، وهي المسافة التي انحرفها النيل منذ ذلك الوقت.
وكانت مدينة الفسطاط مدينة عصرية في ذلك الوقت، مشيدة بالطوب، غير أن بعض مساكنها كان مشيدا بالحجارة، وربما استخدم اللبن والطين أحيانا في البناء، وذلك في أطراف المدينة.
وكان بالمدينة ميادين وأسواق ومصانع، وكان بها أيضا عدد من الحمامات، وكان لها ميناء على النيل، وزادت أهمية هذه المدينة بعد أن حفر عمرو بن العاص الخليج الذي يصل النيل بالبحر الأحمر عند القلزم، أو مدينة السويس الحالية.
ثم جاء بعد ذلك العباسيون، وشيدوا مدينة جديدة في الجانب الشمالي من الفسطاط، الذي أصبح فضاء، ونظرا لأن هذا المكان في الأصل أيضا قد سكنه لواء العسكر العباسي، أو الجيش العباسي، لذلك سميت هذه العاصمة الجديدة بالعسكر.
وشيد في العسكر أيضا دارا للإمارة كان يسكنها الولاة العباسيون، وأول من سكنها الفضل بن صالح، كما شيد بها مسجدا لم يكتب له البقاء.
وأيضًا سُمح للناس بالبناء حول مدينة العسكر، فكثرت عمارتها حتى اتصلت بالفسطاط، وكان يطلق على المدينة في ذلك الوقت اسم" مصر"، وذلك من باب إطلاق اسم القطر كله على العاصمة، كما يطلق أيضا حتى الآن على مدينة دمشق اسم" الشام".
وظلت العاصمة لمصر، ومركزا للإمارة والإدارة والشرطة، حتى سنة 256 هـ، حين أسس أحمد بن طولون مدينة جديدة هي القطائع، التي اتخذها عاصمة له ومقرا للجيش والإدارة.
وقد أقام أحمد بن طولون، في أول الأمر، بالعسكر، ونزل في دار إمارتها، ولكنه شرع بعد ذلك في تأسيس مدينة جديدة لتكون مركزا للحكم ومقرا لجنده وحاشيته.
وسميت القطائع نظرا لأنه قد أقطع كل حاشيته قطاعا في المدينة، فسميت القطائع، وكانت أيضا تقع في الطرف الشمالي من العسكر، أو على الأصح في الطرف الشمالي الشرقي، بين جبل يشكر، وهو الحد الشمالي للفسطاط، وبين سفح هضبة المقطم عند مكان القلعة الحالية، وكان يعرف في ذلك الوقت باسم قبة الهواء، ومن جهة أخرى بين الرميلة تحت القلعة إلى مشهد الرأس، الذي عرف فيما بعد باسم مشهد زين العابدين.
وقد شيد ابن طولون مسجدا له في المنطقة الواقعة ما بين قلعة الجبل الحالية ومشهد السيدة نفيسة في ذلك الوقت، فوق هضبة يقال لها جبل يشكر، كما يتضح ذلك من اللوحة التأسيسية التي وصلتنا من المسجد.
وكما أنه لم يبق من فسطاط عمرو غير جامع عمرو، فإنه أيضا لم يبق من العسكر شيء، ولم يبق من قطائع ابن طولون غير جامع ابن طولون.
أما عن تأسيس القاهرة، فقد تم على يد الفاطميين سنة 969م، في شكل مدينة ملكية خاصة بالخليفة وحاشيته، ثم أخذت تتسع على مر الزمن حتى شملت مدنا أخرى مجاورة لها، كلها كانت تقع إلى الجنوب منها، ونعني بذلك الفسطاط والعسكر والقطائع.
وعند تأسيس القاهرة كانت كل هذه المدن قد صارت مدينة واحدة متصلة العمران يطلق عليها اسم" مصر".
وارتبط اسم القاهرة بالأمل الكبير في قهر الأعداء والانتصار عليهم، مما له أكبر الدلالة في فلسفة الفاطميين وتوجههم السياسي، حيث إنها سميت في أول الأمر بالمنصورية.
وصارت مدينة القاهرة مع الزمن تتكون من أحياء، لكل منها سماته الخاصة، وأقدم هذه الأحياء يقع في الجنوب، وأحدثها في الشمال.
وكانت تنمو نموا سريعا، وكان هذا الامتداد في المقام الأول في اتجاه الشمال، لأن جنوب القاهرة كان شريطا ضيقا من الأرض ينحصر بين التلال ومجرى النيل.
ومن هنا نجد أن الامتداد نحو الشرق كان متعذرا بسبب تلال المقطم، كما أنه لم يكن من الممكن الامتداد نحو الغرب إلا بمقدار ما يتركه مجرى النيل من أرض.
وهكذا كانت مدينة القاهرة، منذ تأسيسها، مكانا رائعا يشتمل على الكثير من المعالم الأثرية؛ فجامع عمرو بن العاص في الجنوب، وكذلك جامع ابن طولون، الذي كان يرمز ويؤرخ للدولة العظيمة التي أسسها أحمد بن طولون عندما استقل بمصر عن الخلافة، ومثل هذا الجامع، بسماته وخصائصه المعمارية، طموح ابن طولون في أن يجعل من القطائع عاصمة لولاية لا تقف حدودها عند مصر، بل تتسع حتى تشمل الشام.
ومن جهة أخرى، يمثل ارتباط ابن طولون بالخلافة العباسية من خلال التأثر بالأساليب الفنية الموجودة في الخلافة العباسية.
وبقيت معالم أخرى كثيرة جدًا في القاهرة تشد الزائر إليها، وترجع إلى الفترات المختلفة من عمر هذه المدينة العظيمة، مثل الجامع الأزهر، وقلعة صلاح الدين، وخانقاه فرج بن برقوق، وغيرها من المواقع التي تظهر فيها المعالم الأثرية المختلفة، والتي تميز تاريخ القاهرة على مر العصور.
وما بقي بها من تراث وحرف وأسماء في كل أحيائها منذ تأسيسها، وهكذا تمثل القاهرة مرآة صادقة لما مر على مصر من أحداث تاريخية وعمرانية، استطاع المصريون من خلالها أن يسجلوها ويضيفوها إلى هذه المدينة الرائعة، مدينة القاهرة، التي تسحر القادم إليها في الوقت الحالي بجمالها، وخاصة بعد أن امتدت إليها يد العناية بالتخطيط المبني على العلم، في إعادة وجه القاهرة الجميل وإزالة التراب عن وجهها، فصارت معلما من معالم السياحة في مصر، ورمزا من رموز القوى الناعمة فيها، من خلال المنشآت السياحية التي تتخلل أحيائها القديمة، وتمثل بالنسبة للزائر إليها مكانا محببا يقضي فيه أوقاتا رائعة في ظل جو تاريخي، وبين مبان أثرية بقيت على حالها منذ أن بنيت في العصور الإسلامية.
هكذا كانت القاهرة رمزا من رموز الشخصية المصرية، تعكس ما مر بها من أحداث تاريخية منذ دخول العرب المسلمين إليها، حتى القاهرة المعاصرة الآن، أو ما تعرف باسم القاهرة الخديوية، فكل هذه الأماكن أصبحت تمثل مزارات وأماكن يشتاق إليها الزائر، ويجد متعة كبيرة جدا في التجول في ربوعها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك