قناة القاهرة الإخبارية - رؤية مشتركة للسلام.. كواليس المؤتمر الصحفي للرئيس التركي ورئيس وزراء باكستان قناة التليفزيون العربي - كاميرا التلفزيون العربي ترصد أوضاع النازحين في إقليم النيل الأزرق قناة القاهرة الإخبارية - من مضيق هرمز إلى أنقرة وبيروت.. خريطة صراع إقليمي تتشكل من جديد| منتصف النهار قناة التليفزيون العربي - ميسي ضد صلاح.. الفراعنة يكتبون التاريخ ويتحدون كبرياء التانغو قناة الجزيرة مباشر - Leaks Reveal US Refusal to Give Israel the Green Light to Attack Ali al-Taher Heights قناة القاهرة الإخبارية - قبل قمة أنقرة الحاسمة.. لماذا يجدد ترامب تحفظاته على سياسات الناتو؟ قناة القاهرة الإخبارية - من أروقة الرئاسة إلى جبهة الجنوب.. كيف يتحرك لبنان دبلومـاسياً وعسكرياً لتأمين مسار السلام؟ قناة القاهرة الإخبارية - رسائل طهران لباريس ولندن.. ما مستقبل الملاحة الدولية في مضيق هرمز؟ قناة القاهرة الإخبارية - قبل قمة أنقرة.. ترامب يهاجم الناتو | د. أحمد السيد أحمد يوضح التحديات وأسباب الانقسامات قناة التليفزيون العربي - معركة الحسم.. تقدم روسي متسارع يهدد آخر المعاقل الكبرى شرق أوكرانيا
عامة

من ناصر الدين شاه إلى نيجيرفان بارزاني.. خانقين والنجف في ذاكرة العلاقات العراقية الإيرانية

رووداو عربية
رووداو عربية منذ 1 ساعة
1

ليست العلاقات بين العراق وإيران وليدة العقود الأخيرة، ولا يمكن اختزالها في المصالح السياسية أو الاقتصادية التي فرضتها متغيرات العصر الحديث، بل هي علاقات تضرب بجذورها في عمق التاريخ، وتشكلت عبر قرون من...

ليست العلاقات بين العراق وإيران وليدة العقود الأخيرة، ولا يمكن اختزالها في المصالح السياسية أو الاقتصادية التي فرضتها متغيرات العصر الحديث، بل هي علاقات تضرب بجذورها في عمق التاريخ، وتشكلت عبر قرون من التفاعل الديني والثقافي والاجتماعي، حتى أصبحت المدن العراقية المقدسة جزءاً من الذاكرة التاريخية والسياسية لإيران، كما أصبحت الطرق المؤدية إليها، ولاسيما طريق طهران - كرمنشاه - خانقين - بغداد - النجف، شرياناً ظل نابضاً بالحركة على الرغم من تغير الدول والأنظمة والحدود.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مشاركة رئيس إقليم كوردستان العراق، السيد نيجيرفان بارزاني، في مناسبة رسمية في طهران بوصفها حدثاً معاصراً يعكس استمرار أهمية العلاقات العراقية - الإيرانية، ويذكرنا في الوقت نفسه بمحطات تاريخية مشابهة، كان أبرزها الرحلة الشهيرة التي قام بها شاه إيران ناصر الدين شاه القاجاري إلى العراق سنة 1870م، حين عبر الأراضي العراقية عبر منفذ خانقين متجهاً إلى بغداد، ثم إلى الكاظمية وكربلاء والنجف، حيث استقبله والي بغداد" مدحت باشا" استقبالاً رسمياً عكس رغبة الدولتين العثمانية والقاجارية في تخفيف حدة التوترات التي طبعت علاقتهما طوال عقود سابقة.

ولم تكن زيارة ناصر الدين شاه مجرد رحلة لتأدية الشعائر الدينية، كما لم تكن مشاركة مسؤول عراقي رفيع المستوى في مناسبة رسمية بطهران مجرد مجاملة بروتوكولية؛ ففي كلتا الحالتين تظهر الجغرافية بوصفها عاملاً ثابتاً في العلاقات بين البلدين.

فمنذ القرن السادس عشر 1501م، عندما جعل الصفويون المذهب الإمامي الاثني عشري مذهب الدولة الرسمي، ازدادت أهمية النجف وكربلاء في الوجدان الإيراني، وتحولت المدينتان إلى مقصد لمئات الآلاف من الزائرين، وإلى مثوى أخير لعدد كبير من العلماء وكبار رجال الدولة وأفراد الأسر الثرية، حتى أصبحت قوافل الزائرين والجنائز تعبر الحدود بصورة منتظمة، مكوِّنة شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والاقتصادية تجاوزت قدرة السياسة على إيقافها.

وعندما استقرت الأسرة القاجارية على عرش إيران أواخر القرن الثامن عشر 1796م، ازداد هذا الارتباط قوة.

فقد أولى القاجاريون العناية بالعتبات المقدسة، وأنفقوا الأموال على عمارتها، وحرصوا على استمرار حركة الزائرين إليها، حتى غدت النجف في القرن التاسع عشر مركزاً روحياً وعلمياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران، ليس بوصفها جزءاً من أراضيها، وإنما بوصفها القلب العلمي للمذهب الإمامي.

ومن هنا يمكن فهم الأسباب التي دفعت ناصر الدين شاه إلى القيام برحلته الطويلة إلى العراق، والتي وصف تفاصيلها في يومياته، كما تابعتها الصحافة العثمانية، وفي مقدمتها جريدة الزوراء، التي سجلت مراسم استقباله في بغداد والنجف.

وقد أدرك مدحت باشا، والي بغداد، أن نجاح تلك الزيارة لا يقتصر على إظهار حسن الضيافة، وإنما يتطلب أيضاً معالجة الملفات التي كانت تؤرق الحكومتين، وفي مقدمتها أمن الطرق، وحركة الزائرين، ونقل الجنائز، والرسوم المفروضة على دفن الموتى، والإجراءات الصحية المفروضة على القوافل القادمة من إيران.

فقد كانت النجف في ذلك الوقت تستقبل آلاف الجثامين سنوياً، الأمر الذي أدى إلى ظهور منظومة اقتصادية متكاملة شملت النقل، والإقامة، والحراسة، والدفن، كما فرض على الإدارة العثمانية وضع أنظمة لتنظيم هذه الحركة، وهو ما أدى أحياناً إلى خلافات مع الحكومة القاجارية التي كانت ترى في بعض تلك الإجراءات تضييقاً على رعاياها.

ولعل أكثر ما يلفت النظر أن خانقين المدينة الكوردية العراقية، التي عبر منها ناصر الدين شاه في القرن التاسع عشر سنة 1870م، ما زالت حتى اليوم تمثل أحد أهم معابر التواصل بين العراق وإيران.

فقد تغيرت الإمبراطوريات، وسقطت الدولة العثمانية، وانتهى الحكم القاجاري، وظهرت دول وأنظمة جديدة، إلا أن الجغرافية بقيت تؤدي الدور نفسه.

فالطرق التي سلكها الزائرون والتجار والعلماء قبل أكثر من مائة وخمسين عاماً مازالت تؤدي وظيفة التواصل بين المجتمعين العراقي والإيراني، وإن تغيرت وسائل النقل، وتبدلت الأهداف، وتنوعت طبيعة الوفود الرسمية والشعبية.

ومن الخطأ أن تُقرأ هذه الوقائع بوصفها مجرد أحداث متفرقة، فزيارة ناصر الدين شاه سنة 1870م لم تكن حادثة معزولة، وإنما جاءت في سياق تاريخ طويل من التفاعل الديني والسياسي بين الدولتين.

وكذلك فإن اللقاءات والزيارات الرسمية المعاصرة لا يمكن فهمها بعيداً عن هذا الإرث التاريخي.

فالعلاقات بين بغداد وطهران، أو بين أربيل وطهران، لا تقوم على معادلات السياسة الراهنة وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بتاريخ طويل من التواصل الاجتماعي والديني والاقتصادي، كانت العتبات المقدسة أحد أهم مرتكزاته.

إن النجف لم تكن في القرن التاسع عشر مجرد مدينة عراقية تستقبل الزائرين، بل كانت مركزاً دولياً يقصده العلماء والفقهاء والتجار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وكان للحضور الإيراني فيها أثر واضح في ازدهار الحركة العلمية والاقتصادية.

وفي المقابل، لم تكن الدولة العثمانية تنظر إلى هذه الحركة بوصفها شأناً دينياً فحسب، بل باعتبارها أيضاً قضية تتعلق بالسيادة والإدارة والصحة العامة، وهو ما يفسر اهتمامها بتنظيم حركة الزائرين، وفرض الرسوم، وإنشاء المحاجر الصحية، وتأمين الطرق، والتفاوض المستمر مع الحكومة القاجارية حول هذه القضايا.

ومن هنا فإن الربط بين مشهد معاصر ومشهد تاريخي لا يراد منه القول إن الظروف متطابقة، فلكل عصر سياقاته السياسية والقانونية المختلفة، وإنما يراد منه إبراز حقيقة تاريخية ثابتة، هي أن العراق ظل، على امتداد القرون، محوراً رئيساً في علاقات إيران الإقليمية، وأن المدن المقدسة، وفي مقدمتها النجف، بقيت تؤدي دوراً يتجاوز حدود الدين ليشمل السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والمجتمع.

وإذا كانت زيارة ناصر الدين شاه قد مثلت في القرن التاسع عشر صورة من صور هذا التفاعل، فإن المناسبات الرسمية والزيارات المتبادلة في العصر الحاضر تؤكد أن الجغرافية والتاريخ مازالا يؤديان دوراً مؤثراً في صياغة العلاقات بين البلدين، مهما تبدلت الأنظمة وتغيرت موازين القوى.

وهكذا فإن طريق خانقين، الذي عبرته قوافل الزائرين والجنائز والعلماء، ثم عبره ناصر الدين شاه في رحلته إلى العتبات، لم يكن مجرد طريق حدودي، بل كان معبراً للتاريخ نفسه، شاهداً على استمرار علاقة لم تنقطع بين العراق وإيران، علاقة صاغتها العقيدة حيناً، ووجهتها السياسة حيناً آخر، لكنها بقيت، في كل الأحوال، واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية عمقاً واستمراراً تكشف قراءة التاريخ، منذ عبور ناصر الدين شاه الأراضي العراقية في زيارته الشهيرة إلى بغداد والنجف سنة 1870م، وحتى الزيارات الرسمية المتبادلة في القرن الحادي والعشرين، أن العلاقات العراقية - الإيرانية لم تكن يوماً علاقات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، وإنما تشكلت عبر قرون من التفاعل الجغرافي والديني والثقافي والاقتصادي.

وقد بقيت المدن المقدسة في العراق، ولا سيما النجف وكربلاء، عنصراً ثابتاً في هذا التفاعل، في الوقت الذي تغيرت فيه الدول والإمبراطوريات والأنظمة السياسية.

وفي هذا الإطار، تكتسب الزيارات الرسمية المتبادلة بين القيادات العراقية والإيرانية أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي، لأنها تعكس إدراكاً بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بالحوار والحفاظ على قنوات التواصل بين دول الجوار والشركاء الدوليين.

وقد برزت خلال السنوات الأخيرة سياسة رئيس إقليم كوردستان العراق، السيد نيجيرفان بارزاني، بوصفها سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن، والسعي إلى بناء علاقات إيجابية مع جميع الدول المجاورة للعراق، وفي مقدمتها إيران وتركيا والدول العربية، إلى جانب توطيد الشراكات مع القوى الدولية الفاعلة، مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، فضلاً عن تطوير التعاون مع الاتحاد الأوروبي وسائر الدول الصديقة.

وينطلق هذا النهج من قناعة راسخة بأن الموقع الجغرافي لإقليم كوردستان والعراق، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية، يفرضان سياسة خارجية متوازنة تقوم على الشراكة والحوار والتعاون، بما يعزز الأمن والاستقرار ويخدم المصالح الوطنية بعيداً عن سياسة المحاور أو الانحياز لطرف على حساب آخر.

ولا يمكن فهم متانة العلاقات بين إقليم كوردستان وإيران بعيداً عن الجغرافية المشتركة التي تمتد مئات الكيلومترات، ولا عن الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي نسجتها القبائل والعشائر والأسواق الحدودية عبر قرون طويلة.

كما أن العامل القومي الكوردي يمثل أحد أوجه هذا التداخل، إذ يعيش الكورد على جانبي الحدود، الأمر الذي جعل التواصل الإنساني والثقافي يستمر رغم تغير الحدود السياسية.

وإلى جانب هذه المعطيات، فإن الذاكرة السياسية الكوردية تحتفظ بمحطات مهمة من التعاون بين الحركة التحررية الكوردية وإيران، ولاسيما خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حين قدمت إيران الشاهنشاهية، في إطار حساباتها الإقليمية وصراعها مع الحكومة العراقية آنذاك، أشكالاً مختلفة من الدعم للحركة الكوردية بقيادة الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني (1903 – 1979م).

وقد أسهم ذلك الدعم في تعزيز قدرات الحركة الكوردية خلال تلك المرحلة، قبل أن يشهد هذا المسار تحولاً كبيراً عقب اتفاقية الجزائر عام 1975م، التي أعادت رسم أولويات الدولتين، وأدت إلى توقف ذلك الدعم، فدخلت الحركة الكوردية مرحلة جديدة من تاريخها.

وهذه التجربة تؤكد أن العلاقات بين الدول والحركات السياسية تتأثر بالمصالح الإستراتيجية بقدر ما تتأثر بالروابط التاريخية.

ومع ذلك، فإن التجربة الكوردية الحديثة، ولاسيما بعد عام 2003م، أظهرت توجهاً مختلفاً يقوم على بناء علاقات مؤسساتية مستقرة مع دول الجوار، بعيداً عن منطق الصراعات المفتوحة.

وفي هذا السياق، سعت قيادة إقليم كوردستان، وفي مقدمتها الرئيس نيجيرفان بارزاني، إلى اعتماد سياسة متوازنة تقوم على احترام سيادة الدول، وتعزيز المصالح الاقتصادية، وتشجيع الحوار، والمحافظة على قنوات التواصل مع مختلف العواصم الإقليمية، إدراكاً منها أن الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي لا يمكن تحقيقهما إلا ضمن بيئة إقليمية مستقرة.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الجغرافية كثيراً ما تكون أكثر ثباتاً من السياسة.

فالطريق الذي سلكه ناصر الدين شاه قبل أكثر من قرن ونصف، وعبرت منه قوافل العلماء والزائرين والتجار، ما زال يؤدي دوره بوصفه جسراً للتواصل بين العراق وإيران، وإن تغيرت وسائط النقل وأشكال العلاقات.

كما أن النجف وكربلاء ظلتا، عبر مختلف المراحل التاريخية، فضاءين يتجاوز تأثيرهما الحدود السياسية، ليشكلا عنصراً من عناصر التواصل الحضاري بين شعوب المنطقة.

ومن هنا، فإن استحضار زيارة ناصر الدين شاه لا يراد منه استعادة حدث تاريخي فحسب، بل إبراز حقيقة أعمق، وهي أن العلاقات العراقية - الإيرانية، بما تتضمنه من بعدٍ كوردي أصيل، لا يمكن فهمها من خلال الأحداث الآنية وحدها، وإنما في ضوء تراكم تاريخي طويل تشابكت فيه المصالح السياسية مع الروابط الدينية والثقافية والإنسانية، وصاغت الجغرافية المشتركة مساراتها عبر قرون متعاقبة.

فقد كان الكورد، بحكم امتدادهم الجغرافي على جانبي الحدود، أحد أهم جسور التواصل بين العراق وإيران، وأسهموا في ترسيخ أواصر التفاعل الحضاري والاقتصادي والاجتماعي بين البلدين، إلى جانب ما جمعهما من روابط دينية وثقافية وتاريخية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب السياسات المتوازنة القائمة على الحوار، وحسن الجوار، والاحترام المتبادل، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، أهمية متجددة في الحاضر والمستقبل، لأنها تنطلق من حقائق الجغرافية، وتستفيد من دروس التاريخ، وتستند إلى إرث طويل من التعايش والتواصل بين شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعبان العراقي والإيراني والمكوّن الكوردي الذي ظل، عبر مختلف المراحل التاريخية، عنصراً فاعلاً في بناء جسور التفاهم والاستقرار في الشرق الأوسط.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك