لم يكن البحر، في حكاية الفلسطينيين الذين انتهى بهم المطاف في تشيلي، مجرد مسافة بين قارتين، بل حدا فاصلا بين حياتين، فمن يافا وبيت لحم وبيت ساحور، حمل المهاجرون حقائب صغيرة، لكنهم حملوا معها أيضا وطنا كاملا رفض أن يتركه المنفى وراءه، وظل يبحث عن مكان يعيش فيه دون أن يفقد اسمه.
بهذه الفكرة ينسج برنامج" المستعمرون العرب" (الذي يبث على منصة 360) في حلقته الوثائقية" فلسطينيون خلف البحار" (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) روايته، متنقلا بين البيوت والكنائس والشوارع والملاعب، ليروي كيف تحولت جالية فلسطينية بعيدة جغرافيا إلى واحدة من أكثر الجاليات ارتباطا بقضيتها، حتى غدت فلسطين حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية على الضفة الأخرى من العالم.
list 1 of 4الفلسطيني الذي قاد معركتنا في الغرب وكشف أصنامهlist 2 of 4النكبة الفلسطينية.
من بدايات الاستيطان اليهودي إلى قيام إسرائيلlist 3 of 4فيلم" إلى أرض مجهولة" … البحث عن فلسطين في منفى بعيدlist 4 of 4فلسطيني من غزة ينجح في قطع المتوسط على" جيت سكي"تبدأ رحلة الحلقة من منزل عفيفة قهوجي السفري، حيث يتجاوز لقاء العائلة مجرد الزيارة العابرة، فهناك أصوات الترحيب، ورائحة الطعام، والكعك الذي يُحضّر بعناية، والأحاديث التي تتنقل بين العربية والإسبانية، وكلها ترسم مشهدا يختصر معنى أن يصنع الفلسطيني في الغربة بيتا يشبه الوطن الذي غادره.
وحول المائدة، وقبل أن تمتد الأيدي إليها، ترتفع الصلاة، ويبدو الاجتماع العائلي نفسه شكلا من أشكال مقاومة الغياب، ومحاولة دائمة للإبقاء على العادات واللغة والذاكرة حية، حتى لدى أبناء ولدوا بعيدا عن فلسطين ولم يروا أرضها قط.
ومن دفء اللقاء العائلي، تعود الكاميرا إلى الصورة التي لا تغادر ذاكرة عفيفة، وهي صورة التُقطت قبل النكبة، تجمعها مع إخوتها في يافا، قبل أن تتحول المدينة بعد أشهر قليلة، إلى ذكرى حملتها معها طوال عمرها، كما لو أن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
تستعيد عفيفة تفاصيل الرحيل، وتروي كيف رفض والدها مغادرة يافا حتى مرت رصاصة بينه وبين خاله، فأدرك أن البقاء صار مستحيلا، وفي 4 مايو/أيار 1948، غادرت العائلة المدينة بحقيبة صغيرة، تاركة وراءها بيتا وحياة لم تستطع العودة إليهما.
وبعد 3 سنوات في لبنان، حملت سفينة أخرى العائلة إلى تشيلي، مستفيدة من برنامج أتاح للاجئين الفلسطينيين السفر بقروض تُسدد لاحقا، وانتهت رحلة طويلة عبر البحر والجبال في بلد لم يكن مألوفا لهم، لكنه كان قد احتضن قبلهم أجيالا فلسطينية مهدت الطريق للقادمين الجدد.
وهناك، لم يبدأوا من الصفر تماما، فقد وجدوا مجتمعا صغيرا حافظ على روابطه الأولى، وسعى إلى نقل عاداته ولغته وإيمانه إلى الأجيال التالية، ومع مرور الوقت، تجاوزت الجالية كونها مجرد تجمع للمهاجرين، حيث أصبحت فضاء اجتماعيا يعيد إنتاج فلسطين في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي قلب هذا الفضاء، وقفت الكنيسة الأرثوذكسية بوصفها أكثر من مكان للعبادة، ويروي الأب جورج عبد كيف كان الفلسطينيون يقطعون عشرات، بل مئات الكيلومترات كل يوم أحد، بحثا عن لقاء يعيد إليهم دفء المشرق، ويمنحهم شعورا بأن الوطن، رغم بعده، ما زال يجمع أبناءه تحت سقف واحد.
وتعيد الحلقة قراءة البدايات الأولى للهجرة الفلسطينية إلى تشيلي، مستعينة بشهادات المؤرخين ووثائق المرحلة، فالقادمون الأوائل وصلوا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بجوازات عثمانية، الأمر الذي جعل المجتمع التشيلي يطلق عليهم اسم" الأتراك"، قبل أن تتكشف هويتهم الحقيقية وقصصهم المختلفة.
وراء تلك الرحلات، كانت تختبئ أزمات متراكمة؛ اقتصاد ينهار، وإمبراطورية عثمانية تتفكك، وشباب يهربون من التجنيد الإجباري بحثا عن فرصة للحياة، ومع ذلك، كان الوصول إلى تشيلي بداية اختبار جديد في أرض لا يعرفون لغتها ولا عاداتها.
يحمل رجال الأعمال الفلسطينيون ذاكرة تلك السنوات الأولى، حين كان الأجداد يجوبون الشوارع بحقائب صغيرة يبيعون ما فيها على أبواب المنازل، غير عابئين بطول المسافات أو قسوة الغربة، وكانت التجارة بالنسبة إليهم طريقا لانتزاع مكان في مجتمع جديد.
ومع تعاقب الأجيال، تبدلت المشاهد كما تبدلت الأحوال، فالحقائب الصغيرة تحولت إلى متاجر، ثم إلى مصانع وشركات كبرى ومؤسسات مصرفية، فيما انتقل أبناء الجالية من هامش الاقتصاد إلى قلبه، ليصبحوا شركاء في صناعة التنمية، دون أن يقطعوا الخيط الذي يربطهم بفلسطين.
وفتح هذا الحضور الاقتصادي أبواب الحياة العامة أيضا، حيث أكدت شخصيات سياسية من أصول فلسطينية أن الاندماج في المجتمع التشيلي لم يكن على حساب الهوية، بل منحها مساحة أوسع للتعبير، فمن البلديات إلى البرلمان ثم إلى الترشح لرئاسة البلاد، ظل الانتماء الفلسطيني جزءا من السيرة الشخصية لأصحابه.
لكن أكثر تجليات هذا الانتماء حضورا تظهر في مدرجات كرة القدم، حيث يبدو نادي ديبورتيفو بالستينو صفحة مفتوحة من الذاكرة الفلسطينية.
فالقميص، والعلم، والخريطة التاريخية، كلها تتحول إلى لغة يفهمها جمهور يتجاوز حدود تشيلي.
ويروي مسؤولو النادي كيف أصبحت النكبة جزءا من رسالته، وكيف تحولت كل مباراة إلى فرصة لتذكير العالم بقضية شعب ما زال يناضل من أجل أرضه، ولم يعد النجاح الرياضي غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإبقاء اسم فلسطين حاضرا في الشاشات والمدرجات ووسائل الإعلام.
ولا تقتصر هذه الرسالة على الرموز والشعارات، بل تمتد إلى مبادرات عملية تربط النادي بفلسطين، من دعم الأكاديميات الرياضية إلى احتضان المواهب الشابة، وحتى اللاعبون الذين ولدوا في تشيلي يتحدثون عن فلسطين باعتبارها جزءا من هويتهم الشخصية، لا مجرد إرث عائلي ورثوه عن الآباء والأجداد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك