دخلت التوترات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب مرحلة جديدة، مع تحذير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإسرائيل من محاولات تخريب اتفاق إنهاء الحرب المبرم بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية، داعيًا إلى «عدم السماح للحكومة الإسرائيلية الحالية بإغراق المنطقة في الدماء مرة أخرى».
وجاء تحذير أردوغان لتل أبيب امتدادًا لسجال وتلاسن غير مسبوق بين وزيري خارجية البلدين، بعدما وصف الوزير التركي هاكان فيدان إسرائيل بـ «الزمرة الطائشة والعبء الذي لا يُطاق على الإنسانية»، مؤكدًا جاهزية بلاده للمواجهة، وهو ما ردت عليه تل أبيب باتهامات حادة لأنقرة بالتحريض على الإبادة الجماعية وتجريد اليهود من إنسانيتهم.
وتزامن ذلك مع ورقة ضغط إسرائيلية تمثلت بالاعتراف بـ «الإبادة الجماعية للأرمن»، في وقت تسعى فيه تركيا لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع باكستان وترتيب ملفاتها العسكرية العالقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبيل قمة الناتو المرتقبة في أنقرة.
من جهته، أكد الرئيس التركي، اليوم السبت، أن جهود إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن تنجح دون دعم إقليمي، مشددًا على أنه لا يجب السماح لإسرائيل بعرقلة اتفاق إنهاء الحرب المبرم بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية.
وقال أردوغان خلال كلمة ألقاها إلى جانب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مدينة إسطنبول: «لا يمكن لأي حل لا يستمد قوته من إرادة ومساهمات دول المنطقة أن يكون دائمًا، ونتابع عن كثب محاولات الإدارة الإسرائيلية لتفجير الاتفاق، ولا يجب السماح للحكومة الإسرائيلية الحالية المدمنة للحروب بإغراق منطقتنا برائحة البارود والدماء مرة أخرى».
وأشار أردوغان إلى أن تركيا تهدف إلى زيادة التعاون مع باكستان في مجالات الطاقة، والنقل، والمعادن الأساسية، وتكنولوجيا المعلومات، والدفاع، سعيًا لتحقيق هدف تبادل تجاري يبلغ خمسة مليارات دولار.
في سياق متصل، شارك مسؤولون من البلدين في منتدى للأعمال بإسطنبول، حيث أبدى وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، رغبة الشركات التركية في المساهمة بمشروعات الطاقة بباكستان وعرض خبراتها في ظل التحول الذي يشهده قطاع الكهرباء هناك.
كان وزير الخارجية التركي قد وجه تهديدًا ضمنيًا أشار فيه إلى أن إسرائيل تبحث عن عدو جديد، مؤكدًا أن أنقرة لا تخشى التصعيد، قائلًا: «طالما أن إسرائيل، أو أي طرف آخر، يتصرف بما يتعارض مع مصالحنا الوطنية والإقليمية، فلا داعي للخوف أو التردد أو التراجع، ولا مشكلة لدينا في المواجهة، وإذا ما وصلنا إلى ذلك، فلن يكون ذلك مشكلة بالنسبة لنا».
ولفت فيدان إلى أن تصاعد المشاعر المعادية لإسرائيل عالميًا في الجامعات والصحافة يعود لرؤية المجازر علنًا، متوقعًا أن تغير الولايات المتحدة نهجها بعد إدراك سياسييها أن دعم إسرائيل يتعارض مع مصالحهم.
في المقابل، رد وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر بشن هجوم مضاد عنيف عبر منصة إكس، متهمًا نظيره التركي بتجريد الشعب اليهودي من إنسانيته والتحريض الصريح على الإبادة الجماعية ضده.
ونشر ساعر مقطعًا من مقابلة فيدان مترجمًا للإنجليزية، واصفًا تصريحاته بـ«المقززة»، قائلًا: «تجريد الشعب اليهودي من إنسانيته وتصويره على أنه عبء لا يُطاق يمثل الخطاب المعتاد لأشهر طغاة التاريخ»، مطالبًا العالم المتحضر وحلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي، بإصدار إدانة واضحة لما اعتبره دعوة لتدمير إسرائيل.
وجاء هذا السجال بعد خطوة إسرائيلية رسمية بالاعتراف بـ«الإبادة الجماعية للأرمن» عامي 1915 و1916 إبان الإمبراطورية العثمانية، والتي تشير الدراسات التاريخية إلى مقتل نحو 1.
5 مليون أرمني خلالها.
وترفض تركيا هذا المصطلح مؤكدة أن الوفيات تراوحت بين 300 إلى 500 ألف شخص نتيجة أعمال العنف واضطرابات الحرب العالمية الأولى، واصفة الاعتراف الإسرائيلي بأنه خطوة سياسية انتقامية ومحاولة لتشتيت الانتباه.
يُذكر أن تحذيرات أنقرة من النوايا الإسرائيلية لتخريب الاتفاق الأميركي الإيراني ليست جديدة؛ ففي 16 يونيو/حزيران الماضي، حذر هاكان فيدان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو من أن إمكانية تخريب الاتفاق قائمة، ولمنع ذلك، يجب على المجتمع الدولي أن يفي بمسؤوليته.
وانتقد لافروف حينها المعايير المزدوجة للغرب في التعامل مع القضايا الدولية، متسائلاً عن سبب عدم فرض عقوبات على إسرائيل رغم استمرار انتهاكاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك