لم تعد خسائر مربي المواشي في ريف القنيطرة الجنوبي تقتصر على الجفاف أو ارتفاع أسعار الأعلاف، إذ باتت ترتبط مباشرة بإجراءات إسرائيلية متصاعدة تهدف إلى منعهم من الوصول إلى مراعيهم التاريخية، عبر مشروع أمني جديد أطلقت عليه إسرائيل اسم" سرية الأبقار"، يقوم على نشر قطعان من الأبقار داخل أراض سورية واقعة بين خط وقف إطلاق النار لعام 1974 والسياج الذي أقامته قوات الاحتلال، في خطوة تؤكد تحويل النشاط الزراعي إلى أداة لفرض السيطرة الميدانية.
وكشفت صحيفة" يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية أن المشروع بدأ قبل نحو ستة أشهر بمبادرة من قائد لواء الجولان السابق في الجيش الإسرائيلي، وبالتعاون مع منظمة" هشومير هحداش"، ويتضمن نشر نحو 140 رأساً من الأبقار في مساحة تقارب عشرة آلاف دونم تقع غرب وادي الرقاد، مقابل بلدات الجولان السوري المحتل.
وبحسب الصحيفة، فإن الاحتلال الإسرائيلي ينظر إلى المشروع باعتباره جزءاً من منظومة أمنية تهدف إلى خلق وجود مدني دائم في المنطقة، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الواقعة خلف السياج الجديد.
وتقع المنطقة المستهدفة في منطقة وادي طعيم جنوبي محافظة القنيطرة، وغرب وادي الرقاد في ريف درعا الغربي حيث يمتد جزء منها داخل الجولان السوري المحتل، بينما يقع الجزء الآخر ضمن المنطقة العازلة المنصوص عليها في اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
ويؤكد سكان محليون لموقع تلفزيون سوريا، أن المنطقة أصبحت شبه معزولة بالكامل، إذ يتطلب الوصول إليها عبور الأودية المكشوفة، وهو ما يعرض الرعاة لخطر القنص المباشر من القوات الإسرائيلية المنتشرة على التلال المقابلة، أو الاعتقال.
وتعد هذه الأراضي من أكثر مناطق القنيطرة خصوبة بالمراعي الطبيعية، وكانت لعقود تشكل المصدر الرئيسي لغذاء آلاف رؤوس الأغنام والأبقار التي يملكها سكان القرى الحدودية في القنيطرة ودرعا، إلا أن الرعاة توقفوا عن الوصول إليها بسبب المخاطر الأمنية، قبل أن تتحول اليوم إلى منطقة تخضع لسيطرة إسرائيلية شبه كاملة.
وبحسب مصادر محلية من محافظة درعا، أكدت لموقع تلفزيون سوريا، أن قوات الاحتلال الإسرائيلي وخلال الأشهر الماضية عززت وجودها عبر إقامة سياجات جديدة يبلغ طولها نحو 22 كيلومتراً، بعضها مزود بأسلاك كهربائية، ما أدى عملياً إلى فصل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي عن أصحابها السوريين.
" وجود مدني" لتثبيت السيطرةلا يخفي المسؤولون الإسرائيليون الأهداف الحقيقية للمشروع، إذ نقلت الصحيفة عن ضباط في الجيش زعمهم إن نشر الأبقار" حقق أهدافه الأمنية"، بعدما أصبحت المنطقة" خالية من الرعاة السوريين"، وفق تعبيرهم.
كما قال مؤسس منظمة" هشومير هحداش"، يوئيل زيلبرمان، إن الرعاة السوريين كانوا حتى نهاية عام 2025 يدخلون المنطقة بشكل يومي مع مواشيهم، لكن إدخال القطيع الإسرائيلي أدى إلى توقفهم عن ذلك، بدعوى خشيتهم من مصادرة مواشيهم.
ويعتبر أهالي القرى القريبة من القرى الحدودية، أن هذه التصريحات تكشف بوضوح أن المشروع لا يحمل طابعاً زراعياً، وإنما يستخدم الرعي وسيلة لفرض وقائع جديدة على الأرض، عبر خلق نشاط مدني دائم يرسخ الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.
يقول المزارع أبو أحمد، وهو من سكان ريف القنيطرة الجنوبي، إن عائلته كانت تعتمد منذ عشرات السنين على مراعي وادي طعيم لتربية الأغنام.
ويضيف: " اليوم لم يعد أحد يجرؤ على الاقتراب من تلك المنطقة.
مجرد ظهور الراعي مع قطيعه يجعل الجنود يوجهون أسلحتهم نحوه.
نخاف من القنص أكثر مما نخاف على المواشي نفسها.
"ويؤكد أن خسارته لا تقتصر على فقدان المراعي، بل تمتد إلى تكاليف نقله للمواشي من المنطقة الحدودية إلى منطقة أكثر أماناً، بسبب سرقة قوات الاحتلال الإسرائيلي لعدد من المواشي بمحافظة درعا في منتصف آذار من العالم الحالي.
ويتابع خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، " اضطررت إلى بيع جزء من القطيع لأنني لم أعد أستطيع تأمين العلف، بينما بقيت المراعي التي كنا نعتمد عليها خالية، وترعى فيها أبقار الاحتلال، والجزء الذي لم أبعه نقلته بعيداً عن المنطقة الحدودية"أما المربي أبو خالد من ريف درعا، فيروي حادثة تعرض لها خلال الربيع الماضي، عندما دخل عدد من أغنامه إلى المنطقة الواقعة خلف السياج.
ويقول: " حاولنا استعادتها، لكن الجنود منعونا من الاقتراب، وبعد ساعات شاهدنا مستوطنين يقودون الأغنام إلى الداخل، ولم نستطع فعل شيء.
"ويضيف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن خسارة عشرات الرؤوس شكلت ضربة كبيرة لعائلته التي تعتمد بالكامل على تربية المواشي كمصدر للدخل.
بدوره، يوضح المزارع محمد السالم أنه نقل كامل قطيعه إلى مناطق أبعد عن الحدود رغم ضعف المراعي هناك.
ويقول: " المكان الجديد لا يكفي لإطعام الأغنام، لكنه على الأقل بعيد عن القناصة.
لم يعد أمامنا خيار سوى الابتعاد، حتى لو كانت الخسائر كبيرة.
"ويشير إلى أن كثيراً من الرعاة اتخذوا القرار نفسه خلال الأشهر الأخيرة، خوفاً من فقدان مواشيهم أو تعرضهم لإطلاق النار.
المراعي تتحول إلى" مصيدة"وبحسب شهادات المزارعين، فإن الأهالي حذروا منذ آذار الماضي من أن السياج الجديد الذي أقامته القوات الإسرائيلية حول أجزاء واسعة من المراعي أدى إلى احتجاز المواشي التي تدخل المنطقة بشكل طبيعي أثناء الرعي.
ويؤكدوا أن الأغنام كانت تعبر أحياناً إلى داخل المنطقة المسيجة، ليمنع أصحابها لاحقاً من استعادتها، فيما تختفي أعداد منها في ظروف يصفها الأهالي بأنها عمليات استيلاء ممنهجة.
وفي نيسان الماضي، وثقت وسائل إعلام محلية في محافظة درعا، قيام مستوطنين بسرقة مواشٍ بعد جرها إلى داخل السياج الذي أقامته قوات الاحتلال، في حادثة أثارت مخاوف واسعة بين المربين، ودفع كثيرين إلى التوقف نهائياً عن الاقتراب من المنطقة.
ويرى الأهالي أن المشروع الإسرائيلي حول المراعي إلى" مصيدة" للرعاة، إذ يكفي أن تدخل بعض الأغنام إلى المنطقة حتى تصبح خارج متناول أصحابها.
ويؤكد مربو المواشي ممن تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا أن خسارة المراعي الطبيعية انعكست مباشرة على تكاليف الإنتاج، بعدما أصبحوا يعتمدون بشكل شبه كامل على الأعلاف التجارية التي ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة.
كما أدى تضييق مساحة الرعي إلى تراجع أعداد القطعان، واضطر كثير من المربين إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية نفقات التربية، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.
ويندرج مشروع" سرية الأبقار" بحسب صحيفة" يديعوت أحرونوت" ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على استخدام النشاط المدني لتثبيت السيطرة على الأراضي المحتلة، عبر إقامة بنى تحتية دائمة تحول دون عودة السكان الأصليين إلى أراضيهم.
وتكشف المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسرائيلية، إلى جانب شهادات السكان المحليين، أن المشروع تجاوز كونه مبادرة زراعية، ليصبح أداة ميدانية لإفراغ الأراضي من أصحابها الأصليين، وإحلال نشاط إسرائيلي مكانه.
وبينما تتوسع السياجات وتتراجع مساحة المراعي المتاحة للرعاة السوريين، يجد مربو المواشي أنفسهم أمام خيارين، إما المجازفة بالوصول إلى مناطق باتت معرضة للقنص والمصادرة، أو الابتعاد عنها وتحمل خسائر اقتصادية متزايدة قد تدفع كثيرين إلى التخلي عن مهنتهم التي توارثوها جيلاً بعد جيل.
وبذلك، تتحول المراعي الخصبة التي كانت لعقود مصدر رزق لسكان ريف القنيطرة إلى مساحة مغلقة تخضع لسيطرة إسرائيلية متنامية، في مشهد يعكس استخدام أدوات مدنية وزراعية لترسيخ وقائع جديدة على الأرض، وإبعاد المزارعين السوريين تدريجياً عن أراضيهم ومصادر معيشتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك