قناة الجزيرة مباشر - Israeli Occupation Forces Continue Violations of the Framework Agreement in Lebanon العربي الجديد - شي مستعد لتعزيز العلاقات مع كوريا الشمالية.. وكيم يختبر أسلحة بحرية العربية نت - احتواء حريق غابات قضى على مصنعين بالقرب من سالونيك اليونانية قناه الحدث - احتواء حريق غابات قضى على مصنعين بالقرب من سالونيك اليونانية العربية نت - بكين وموسكو تجريان تدريبات بحرية مشتركة قبالة الصين وكالة الأناضول - الكرملين: اتصال هاتفي بنّاء بين بوتين وترامب استمر 85 دقيقة العربي الجديد - كيف تمنع ارتفاع حرارة هاتفك خلال الصيف؟ قناة التليفزيون العربي - العراق يعلن عن مكافآت مالية للمبلغين عن الفساد بعد حملة اعتقال واسعة للمتهمين في "صولة الفجر" العربية نت - هيئة بريطانية: سفينة شحن تعرضت لهجوم قبالة سواحل اليمن قناة القاهرة الإخبارية - من الأباتشي إلى "إف - 16".. عرض جوي مبهر للمقاتلات المصرية في سماء مقر القيادة الاستراتيجية
عامة

‫ الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورة

العرب
العرب منذ ساعتين

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورةلم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود. لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاري...

الخليج بين فقه الدولة وفقه الثورةلم تكشف الحرب الأخيرة على إيران عن حجم الدمار العسكري فحسب، بل كشفت انهيار سردية سياسية حكمت الشرق الأوسط لأكثر من أربعة عقود.

لقد كانت الحرب، في جوهرها، محاكمة تاريخية لمشروع ادّعى أنه يحمل رسالة أمة، فإذا به يعجز عن حماية دولته.

وادّعى أنه يقود المستضعفين، فإذا بالشعوب التي خاطبها لعقود تختار أوطانها.

الهزيمة الحقيقية ليست في مقتل المرشد، وقيادات من الحرس الثوري، وخسارة قواعد عسكرية أو منشآت استراتيجية، فكل دولة تستطيع إعادة بناء ما تدمر.

ما يصعب ترميمه هو انهيار الفكرة.

فالأفكار التي تسقط لا تعود كما كانت، وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع أيديولوجي هو أن يفقد احتكاره للحقيقة، وأن تتحول شعاراته إلى مادة للسؤال بدل أن تبقى موضوعًا للتصديق.

لقد تأسس نظام الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على فرضية واحدة: أن الثورة ليست مرحلة انتقالية، بل حالة أبدية، وأن الدولة ليست غاية، بل مجرد منصة لإدارة مشروع أكبر يتجاوز الحدود والسيادات والهويات الوطنية.

ومن هنا لم يكن بناء الدولة هو الأولوية، بل بناء «الثورة الدائمة»، حتى أصبحت إيران دولة تخدم الثورة، بدل أن تكون الثورة قد انتهت ببناء الدولة.

ولعل هذا ما يُحدد مصير معظم الثورات الكبرى في التاريخ.

فالثورة الفرنسية لم تستقر إلا عندما انتهى عهد المقصلة وبدأ عهد المؤسسات.

والثورة الأمريكية لم تصبح دولة إلا عندما غادرت خطاب الثورة إلى دستور دائم، وثورة أتاتورك أدّت إلى تأسيس دولة تركيا الحديثة، وكذلك رأى ابن خلدون قبل قرون، أن العصبية التي تؤسس السلطة لا تستطيع وحدها إدارة العمران، لأن بناء الدولة يحتاج إلى الحكم الرشيد أكثر مما يحتاج إلى الحماسة.

أما الحالة الإيرانية فاختارت أن تبقى أسيرة خطاب التعبئة، وأن تجعل الصراع شرطًا دائمًا لبقائها السياسي.

ولأن ثورة رجال الدين لا تستطيع أن تعيش بلا عدو، صنعت أعداءها باستمرار، ولأنها لا تستطيع أن تستمر بلا معركة، صدّرت المعارك إلى الآخرين بالذات في محيطها العربي.

ولهذا لم يكن الاستثمار الحقيقي خلال أربعة عقود في الإنسان، ولا في الجامعات، ولا في الاقتصاد، ولا في التنمية، بل في الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والميليشيات، وشبكات النفوذ العابرة للدول.

تحولت الدولة إلى مصنع للأزمات، وأصبح تصدير الاضطراب جزءًا من تعريف الأمن القومي الإيراني.

والأكثر خطورة أنها استغلت ما هو مقدس بنظر الشعوب لتبرير السياسة.

فقد جرى توظيف التاريخ السياسي، ومفهوم العدل والكرامة والمظلومية، داخل مشروع جيوسياسي معاصر، حتى بدا وكأنها صادرت الارث الإسلامي لصالح مشروع سياسي محدد.

واستُدعيت المفاهيم التي يتفق عليها المسلمون من مختلف المذاهب لإحداث الانشقاقات في ساحات الصراع الإقليمي، فتحولت الرموز الدينية من قيم أخلاقية جامعة إلى أدوات تعبئة سياسية.

لكن السؤال الذي فرضته الحرب اليوم هو: ماذا بقي من كل ذلك؟ تظهر المفارقة القاسية أنّ المشروع التي عمل على تغيير وجه عواصم عربية انتهى عاجزًا عن حماية عمقه الاستراتيجي.

والسردية التي تتحدث عن مواجهة الغرب وإزالة إسرائيل من الخريطة وجدت نفسها منشغلة بحماية سمائها، أما شعار «تحرير القدس»، الذي استُهلك لعقود في التعبئة والحشد، فلم يُنتج طريقًا إلى القدس، بل أنتج طُرقًا إلى بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، حيث استُنزفت الدول العربية، وتآكلت مؤسساتها، ودفعت شعوبها ثمنًا لصراعات لا زالت مستمرة.

ولعلّ أكثر المشاهد دلالة في هذه الحرب لم يكن من الداخل الإيراني، بل خارجها.

فقد راهن مشروع تصدير الثورة طوال عقود على أن الانتماء المذهبي سيهزم الانتماء الوطني.

وكان يعتقد أن الشيعة العرب في دول الخليج بالتحديد سيكونون احتياطيا استراتيجيا لمشروع الثورة متى احتاجت إليهم.

لكن الواقع وجّه إليه صفعة سياسية قاسية.

ففي دول الخليج والدول العربية المستقرة، لم تنجر المجتمعات الشيعية خلف الشعارات المزيفة، ولم تتحول إلى أدوات في معركة ليست معركتها، بل اصطفت خلف الدولة الوطنية، ومؤسساتها، باعتبارها الضامن الحقيقي للأمن والاستقرار والمستقبل.

عندما تعرضت مدن الخليج ومرافقها الحيوية ومجتمعاتها لتهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، لم نشهد انهيارًا في مفهوم الدولة أو تزعزع العلاقة بين السلطة والشعب، ولم تنشأ اصطفافات طائفية واسعة كما راهن بعض منظّري الأيديولوجيا الثورية، بل برز، في الاتجاه العام، مشهد مغاير، مواطنون من مختلف المكونات وقفوا صفاً واحداً دفاعًا عن أوطانهم، وكان المواطنون الشيعة في دول الخليج جزءًا أصيلًا من هذا المشهد الوطني.

لقد واجهوا الخطر ذاته الذي واجهه بقية أبناء أوطانهم، وتقاسموا القلق نفسه على أسرهم ومدنهم ومستقبلهم.

فالصواريخ لم تكن تميّز بين مذهب وآخر، والطائرات المسيّرة لم تكن تسأل عن الهوية الطائفية قبل أن تهدد أمن المدن والمنشآت.

وفي مثل هذه اللحظات، تسقط الأوهام الأيديولوجية، ويظهر الانتماء الحقيقي؛ ليس للطائفة، بل للوطن، ولم يكن هذا موقفًا ظرفيًا، بل إعلانًا صريحًا بأن المواطنة انتصرت على الأيديولوجيا.

لقد اختاروا وطن المدارس بدلاً عن الخنادق، والتنمية عوضاً عن التعبئة، واختاروا الدولة التي تحفظ حقوقهم على المشروع الذي أراد اختزالهم في هوية سياسية عابرة للحدود.

وكان حضور العديد منهم في وسائل الإعلام، والمؤسسات، والجامعات، والقطاعين العام والخاص دفاعًا عن أوطانهم، دليلًا على أن الاستثمار في الإنسان أقوى من الاستثمار في الميليشيات.

لقد تهاوت إحدى أخطر الأكاذيب التي عاش عليها مشروع تصدير الثورة، وهي أن تتحوّل الطائفة الى وطن بديل.

فقد أثبتت هذه الحرب أن فقه الثورة لا يعرف كيف يبني دولة، لأنه لا يعيش إلا على فكرة المعركة الدائمة.

فهو يحتاج دائمًا إلى عدو، وإلى أزمة، وإلى تعبئة، وإلى خطاب يبرر استمرار الاستثناء.

أما فقه الدولة، فيعرف أن أعظم الانتصارات ليست في إطلاق الصواريخ وصناعة المسيرات ودعم الحركات المسلحة، بل في افتتاح جامعة، وبناء مستشفى، وتطوير ميناء، وصناعة اقتصاد، وحماية مواطن، وترسيخ العدالة.

فالثورات قد تُسقط نظامًا، لكنها لا تبني حضارة.

والميليشيات قد تسيطر على مدينة، لكنها لا تؤسس دولة.

والأيديولوجيا قد تحشد الجماهير، لكنها لا تصنع مستقبلًا.

دروس الماضي تعلمنا أن الثورات ليست هي التي تصنع التاريخ وحدها، بل قدرة المجتمعات على التحول من لحظة الثورة إلى لحظة الدولة.

وقد استشرف أرسطو ذلك منذ أكثر من ألفي عام، حين اعتبر أن غاية السياسة ليست في الصراع، بل في تحقيق «الحياة الفاضلة» داخل مجتمع منظم تحكمه القوانين والمؤسسات.

ونظيره توماس هوبز الذي رأى أن الدولة ليست ترفًا سياسيًا، وإنما الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الإنسان من «حرب الجميع ضد الجميع»، حيث يصبح الأمن شرطًا لكل حرية وتنمية.

كذلك، اعتبر فريدريش هيغل أنّ الدولة هي التعبير الأعلى عن العقل في سيرورة التاريخ، لأنها تنقل الإنسان من الولاءات الضيقة إلى المصلحة العامة.

حذرت حنة آرنت فيلسوفة «الثورة» من الأنظمة التي تُبقي شعوبها في حالة تعبئة ثورية دائمة، لأن الثورة إذا لم تتحول إلى دولة مؤسسات وقانون، فإنها ستُصبح آلة تلتهم أبناءها وتُعيد إنتاج العنف بوصفه مصدرًا للشرعية.

خرج العالم العربي والشرق الأوسط من أتون هذه الحرب وقد حمل درسها الأبلغ: أن زمن تصدير الثورة، كما صاغه النموذج الإيراني، يوشك أن يطوي صفحته الأخيرة، وأن المنطقة تقف على عتبة زمن جديد تُستعاد فيه هيبة الدولة الوطنية بوصفها ملاذ السيادة، وحارسة الاستقرار، وأفق التنمية.

فليس في الفوضى خلاص، ولا في الأيديولوجيا العابرة للحدود وطنٌ آمن.

إنها لحظة مفصلية يتراجع فيها صخب الثورة الدائمة أمام رصانة الدولة، وينكشف فيها الفارق العميق بين فقهٍ يبدد الأوطان باسم الأيدولوجيا، وفقه يبنيها باسم السيادة والمواطنة والمستقبل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك