قبل المواجهة المرتقبة بين البرازيل والنرويج في ربع نهائي كأس العالم 2026، تعود إلى الواجهة حقيقة تاريخية تضع المنتخب الإسكندنافي في مكانة فريدة بين جميع منافسي" السيليساو".
فعلى الرغم من التاريخ الحافل للمنتخب البرازيلي، تبقى النرويج المنتخب الوطني الوحيد الذي لم يخسر أمامه في أي مواجهة.
وتواجه المنتخبان أربع مرات عبر التاريخ، انتهت اثنتان منها بفوز النرويج، بينما حسم التعادل المباراتين الأخريين، في سجل استثنائي لم ينجح أي منتخب آخر في تحقيقه أمام البرازيل.
list 1 of 2لماذا تخلى ياسين بونو عن حرفين من اسمه على قميص المغرب؟list 2 of 2المغرب وفرنسا.
" ثأر التحكيم" المؤجل من 2022غير أن المواجهة الأكثر رسوخًا في الذاكرة تبقى تلك التي جمعتهما في 23 يونيو/حزيران 1998 على ملعب" فيلودروم" بمدينة مرسيليا، عندما قلب المنتخب النرويجي تأخره إلى فوز تاريخي بنتيجة (2-1)، ليبلغ ثمن نهائي كأس العالم ويكتب واحدة من أكثر الصفحات إشراقًا في تاريخه الرياضي.
ليلة لا ينساها النرويجيونإذا كان من الصعب على كثيرين استحضار تفاصيل مساء 23 يونيو/حزيران 1998، فإن الأمر يختلف تمامًا في النرويج، حيث تحولت تلك المباراة إلى محطة مفصلية في الذاكرة الجماعية.
ويستذكر جير يوردت، أستاذ علم النفس الرياضي في المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة، أجواء تلك الليلة قائلاً: " كنت في وسط مدينة أوسلو.
كان الأمر جنونيا.
امتلأت الشوارع بالناس الذين كانوا يغنون ويرقصون، ولم يكن أحد يريد العودة إلى منزله.
كانت لحظة لا تشبه الشخصية النرويجية الهادئة.
".
ويرى كثير من النرويجيين أن ذلك الانتصار لم يكن مجرد تأهل إلى الدور التالي، بل لحظة وطنية نادرا تجاوزت حدود كرة القدم.
بداية القصة قبل الموندياللم يكن الفوز على البرازيل في فرنسا 1998 وليد الصدفة، إذ سبقه بعام انتصار آخر منح النرويجيين ثقة كبيرة.
ففي 30 مايو/أيار 1997، تغلب المنتخب النرويجي على البرازيل، حاملة لقب كأس العالم آنذاك، بنتيجة (4-2) في مباراة ودية أقيمت على ملعب" أوليفال" في أوسلو، بفضل ثنائية للمهاجم توري أندريه فلو.
ذلك الفوز رسخ قناعة لدى المدرب إيغيل" دريلو" أولسن بأن فريقه قادر على هزيمة البرازيل مجددًا، لكن بشروط مختلفة.
وقال أولسن في تصريحات أدلى بها عام 2016: " كنا نعلم أننا قادرون على الفوز عليهم، لكن لم يكن ذلك ممكنا إذا لعبنا بالطريقة التي يلعبون بها.
لاعبونا كانوا أقل منهم في المهارة والقدرات الفردية، ولو حاولنا مجاراتهم في أسلوبهم، لخسرنا المباراة قبل أن تبدأ.
".
خطة تكتيكية قلبت الموازيناعتمد أولسن على أسلوب يقوم على الانضباط الدفاعي، وتقليص المساحات، واللعب المباشر، مع استغلال الكرات الطويلة والهجمات المرتدة، بهدف الحد من خطورة منتخب برازيلي ضم أسماء مثل رونالدو وبيبيتو ودونغا وروبرتو كارلوس.
ورغم أن بيبيتو منح التقدم للبرازيل في الدقيقة 78، فإن المدرب النرويجي لم يغيّر خطته، بل واصل الرهان على أسلوبه حتى النهاية.
ويكشف أولسن أن دونغا توجه إليه بعد الهدف وأشار إليه بالصمت، بسبب تصريحات سابقة انتقد فيها اعتماد البرازيل على الاستحواذ دون فعالية، ووصف خلالها تنظيم خط الوسط بأنه" يشبه مكب نفايات".
وأوضح المدرب لاحقا أن تلك التصريحات لم تكن بدافع الاستفزاز، بل تعبيرا عن رؤيته الفنية".
كان السلاح الأبرز في خطة أولسن هو المهاجم العملاق يوستين فلو، الذي دفع به خلال الشوط الثاني لاستغلال تفوقه البدني في الكرات الهوائية.
وقال المدرب النرويجي: " يوستين لم يكن أكثر اللاعبين مهارة، لكنه أفضل لاعب رأسي شاهدته في حياتي.
تعمدنا استهدافه تقريبا باستمرار، لأنه كان يواجه روبرتو كارلوس، وفاز تقريبا بكل الكرات الهوائية.
".
وبعد ثلاث دقائق فقط من دخوله، هيأ يوستين الكرة لشقيقه توري أندريه فلو الذي سجل هدف التعادل، قبل أن يتسبب بعدها بخمس دقائق في ركلة جزاء سجل منها كيتيل ريكدال هدف الفوز التاريخي.
لم تمر الهزيمة مرور الكرام داخل المعسكر البرازيلي.
ويروي أولسن أن روبرتو كارلوس توجه إلى يوستين فلو عقب المباراة، وقال له ساخرا: " كان يجب أن تلعب كرة السلة.
لا أفهم كيف يمكن للاعب محدود فنيا أن يكون جناحا".
لكن المدرب النرويجي رفض التقليل من قيمة الإنجاز، مؤكدًا أن فريقه كان الطرف الأفضل.
وقال: " صنعنا فرصًا أكثر منهم، وكانت نسبة تمريراتنا الهجومية أعلى.
كرة القدم ليست استحواذا فقط، بل فعالية، وكنا الأكثر فعالية".
لم يتوقف أثر ذلك الفوز عند حدود المستطيل الأخضر، بل تحول إلى حدث استثنائي في الوعي الجمعي للنرويجيين.
ويعتقد جير يوردت أن حجم الاحتفالات التي شهدتها البلاد بعد المباراة لا يقارن إلا بالأجواء التي رافقت تحرير النرويج عام 1945.
أما الحارس الدولي السابق إريك ثورستفيدت، والد لاعب الوسط الحالي كريستيان ثورستفيدت، فيرى أن اختيار مباراة في دور المجموعات بوصفها أعظم لحظة رياضية في تاريخ البلاد يعكس القيمة الرمزية التي اكتسبها ذلك الانتصار.
ويقول: " نحن أمة حققت إنجازات كبيرة في الرياضات الشتوية، لكن الفوز على البرازيل في كأس العالم يبقى اللحظة التي يتحدث عنها الجميع.
".
بعد مرور 28 عاما على تلك الليلة التاريخية، يجد المنتخبان نفسيهما وجهًا لوجه من جديد، لكن في ظروف مختلفة وطموحات أكبر.
فالبرازيل تسعى إلى إنهاء عقدة تاريخية استعصت عليها أمام النرويج، بينما يدخل" الفايكنغ" المواجهة مدعومًا بسجل فريد يجعله المنتخب الوحيد الذي حافظ على سجله خاليًا من الهزائم أمام" السيليساو".
وبين تاريخ لا يزال حاضرا في الذاكرة، وواقع يفرض تحديات جديدة، تبدو مواجهة ربع النهائي أكثر من مجرد مباراة على بطاقة التأهل، إذ تمثل اختبارًا لقدرة البرازيل على كسر عقدة استمرت لعقود، وفرصة للنرويج لإضافة فصل جديد إلى واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ كأس العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك