قد يكون الهزال العضلي وفقدان الوزن من أكثر الأعراض إرهاقًا لدى مرضى السرطان، وغالباً ما يؤديان إلى تدهور الحالة الصحية، ويحدّان من قدرة المريض على مواصلة العلاج.
لكن دراسة حديثة، نشرتها مجلة" ساينس" المرموقة، تكشف أن هذه المتلازمة، المعروفة بالهزال السرطاني، ليست مجرد استجابة عرضية للورم، بل هي نتيجة إشارات عصبية ينقلها الورم الخبيث عبر أعصاب الرئة الحسية وصولاً إلى الدماغ.
وتكمن الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف في أن العلماء تمكنوا من اعتراض هذه الإشارات، سواء باستخدام أدوية شائعة كالأسبرين، أو عبر تعديل النظام الغذائي، مما يفتح أبواب أمل جديدة أمام الملايين من المصابين حول العالم.
وأجرى الدراسة الباحث ثاليس باباجياناكوبولوس وفريقه، وتوصلوا إلى أن قطع الاتصال العصبي بين الورم والدماغ، أو تثبيط إنتاج مادة دهنية تُعرف بـ" البروستاغلاندين E2"، بواسطة الأدوية أو التغييرات الغذائية، أسهم بشكل ملموس في الحد من حدة الهزال.
تُشير تقديرات عيادة كليفلاند إلى أن نحو ربع حالات الوفاة المرتبطة بالسرطان تُعزى إلى الهزال السرطاني، وهو متلازمة مرضية تفقد فيها العضلات والأنسجة الدهنية دون إرادة المريض، مما يُضعف بنيته الجسدية، وقد يحول دون قدرته على الاستمرار في تلقي العلاجات.
وتفيد دراسة ألمانية صدرت عام 2015 بأن قرابة نصف مرضى السرطان يُصابون بهذه المتلازمة، التي تمتد لتطال أيضاً مرضى الزهايمر وأمراض القلب، إذ تؤثر في نحو 9 ملايين شخص على مستوى العالم.
وقد استخدم الباحثون نموذجاً حيوياً مبتكراً من الفئران المصابة بسرطان الرئة، يحاكي المرض البشري بدقة، فتبيّن لهم أن نوعاً فرعياً واحداً من الأورام هو المسؤول عن إثارة الهزال.
ورغم أن الفئران كانت تستهلك طعاماً أقل، فإن إتباع نظام غذائي غني بالدهون أدى إلى تفاقم الحالة بدلاً من تحسينها، مما حدا بالفريق إلى البحث في دور الجهاز العصبي.
وهناك اكتشفوا أن الورم يستثمر الأعصاب الحسية في الرئة كقناة لنقل الإشارات إلى الدماغ، وعندما عطّلوا هذه الأعصاب، تراجعت حدة الهزال بشكل ملحوظ.
كما كشف الباحثون أن هذا النوع من الأورام يُفرز كميات وفيرة من البروستاغلاندين E2، وهي مادة تُشتق أساساً من الدهون الحيوانية، وخاصة أحماض أوميغا-6 الدهنية.
ولكن عندما استُبدلت هذه الدهون بأحماض أوميغا-3، انخفض إنتاج المادة المسببة للهزال، وفقد الورم قدرته على التواصل مع الدماغ، مما حال دون تطور المتلازمة.
ولم تقتصر النتائج على التعديل الغذائي، بل أثبتت التجارب أن إعطاء الفئران الأسبرين أو الإيبوبروفين، وهما عقاران مثبطان لهذه المادة، منع ظهور الهزال أيضاً، مما يفتح الباب أمام إعادة توظيف هذه الأدوية في رعاية مرضى السرطان.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تُحدث نقلة نوعية في فهم الهزال السرطاني، وتُبرز الدور المحوري للتغذية إلى جانب الخيارات الدوائية في تحسين مخرجات العلاج.
ويُخطط الفريق حالياً للتعمق في دراسة الخلايا العصبية والدوائر الدماغية التي يستغلها الورم، بهدف معرفة ما إذا كانت تتحكم أيضاً في أعراض مرافقة أخرى، كالاكتئاب وضعف الذاكرة.
ويأملون أن يقودهم هذا الفهم المتزايد إلى تطوير علاجات أكثر تخصيصاً وفعالية، تُسهم في تحسين جودة حياة مرضى السرطان على المدى البعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك