لم يكن انتقاد جماعة الإخوان من قِبل علماء الأزهر الشريف وليد السنوات الأخيرة، بل امتد إلى بدايات تأسيس التنظيم، بعدما رصد عدد من كبار علماء المؤسسة الدينية ملامح الانحراف الفكري والسلوكي الذي تبناه، وحذروا مبكرًا من خطورته على الدين والدولة والمجتمع، مؤكدين أن الجماعة اتخذت من الدين غطاء لتحقيق أهداف تنظيمية وسياسية انتهت إلى تبني العنف وإراقة الدماء.
ويُعد الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي، أحد أبرز شيوخ الأزهر في القرن العشرين، من أوائل من تنبهوا إلى حقيقة مشروع الجماعة.
فعلى الرغم من العلاقة الإنسانية التي جمعته بمؤسسها حسن البنا، ولقاءاتهما المتكررة لمناقشة قضايا إصلاح التعليم الديني، فإن المراغي لم يتردد في إعلان موقفه عندما تبين له أن التنظيم يسعى إلى تأسيس كيان ديني مواز للأزهر، يمنح نفسه حق الإفتاء والتوجيه بعيدًا عن المؤسسات الشرعية.
في البداية، ظن الإمام المراغي أن الجماعة تعمل لخدمة الإسلام ونشر تعاليمه، غير أن ممارساتها كشفت له توجهًا مختلفًا، يقوم على اعتبار التنظيم ممثلًا وحيدًا للدين، وتصوير من هم خارجه وكأنهم بعيدون عن صحيح الإسلام، وهو ما دفعه إلى تغيير موقفه بصورة كاملة.
ولذلك، يُسجل التاريخ للمراغي أنه كان أول شيخ للأزهر يطالب رسميًا بحل جماعة الإخوان، بعدما أنشأت ما عُرف بـ«قسم الفتوى»، في محاولة لصنع مرجعية دينية مستقلة عن الأزهر.
ورأى أن منح التنظيم نفسه سلطة إصدار الفتاوى يمثل تجاوزًا خطيرًا واختطافًا للدور الديني، فتقدم عام 1945 بمذكرة إلى رئيس الوزراء آنذاك أحمد ماهر، طالب فيها بحل الجماعة وغيرها من الهيئات التي نصبت نفسها مرجعًا للإفتاء دون سند علمي أو شرعي، إلا أن وفاته في العام نفسه حالت دون متابعة هذا المسار.
وتكشف وثائق الجماعة نفسها أهمية هذا الموقف، إذ أشارت إحدى إصداراتها إلى مطالبة الإمام المراغي بحل الإخوان ضمن ما وصفته بمحاولات حل التنظيم، وهو ما يعكس حجم المواجهة الفكرية التي خاضها شيخ الأزهر ضد مشروع الجماعة في ذلك الوقت.
ومن الشهادات المهمة أيضًا ما سجله الشيخ أحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف الأسبق وأحد القيادات التي انشقت عن جماعة الإخوان بعد ثورة يوليو، إثر رفضه نهجها في محاولة فرض إرادتها على الدولة واستخدام العنف وسيلة لتحقيق أهدافها.
وأكد الباقوري، الذي عايش التنظيم من الداخل، أن تاريخ الأمة الإسلامية يثبت أن العنف لم يكن يومًا طريقًا للإصلاح، وأن اللجوء إلى السلاح لم يجلب سوى الفوضى وسوء العواقب، مشددًا على أن مواجهة المحتل تختلف جذريًا عن توجيه السلاح إلى أبناء الوطن أو مؤسسات الدولة، وهو ما اعتبره خروجًا على تعاليم الإسلام ومقاصده.
كما روى تفاصيل صادمة عن مناقشات داخل الجماعة عقب اغتيال حسن البنا، عندما طُرحت أفكار للانتقام شملت استهداف شخصيات سياسية بارزة، بينها الملك فاروق، قبل أن تُطرح لاحقًا مخططات لاغتيال رئيس مجلس النواب حامد جودة ورئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي، وهي الوقائع التي عكست، بحسب شهادته، تغلغل منطق العنف داخل التنظيم.
وتبرز كذلك شهادة العلامة أحمد محمد شاكر باعتبارها من أقوى المواقف العلمية تجاه الجماعة، فقد اقترب منها في بداياتها وألقى عددًا من الدروس لأعضائها، لكنه سرعان ما انسحب بعدما لمس ما وصفه بالغلو والتشدد ومحاولة إخضاع النصوص الدينية لخدمة أفكار التنظيم بدلًا من الالتزام بفهم الإسلام الصحيح.
وبحكم مكانته العلمية الرفيعة كأحد كبار علماء الحديث ووكيل الأزهر، اكتسبت مواقفه أهمية خاصة، إذ وصف الإخوان بأنهم «خوارج العصر»، محذرًا من استحلالهم الدماء وتبريرهم أعمال العنف باسم الدين، وداعيًا من انخدع بأفكارهم إلى مراجعة نفسه قبل فوات الأوان.
وفي مقاله الشهير «الإيمان قيد الفتك عند الإخوان» تناول أحمد محمد شاكر جريمة اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، معتبرًا أن الفكر الذي يدفع صاحبه إلى قتل مخالفيه وهو يعتقد أنه يؤدي واجبًا دينيًا، يمثل انحرافًا عن صحيح الإسلام، وأن من يبرر سفك الدماء تحت هذا الغطاء يندرج ضمن فكر الخوارج الذين حذر منهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأشار إلى أن مرتكبي الاغتيالات السياسية داخل الجماعة كانوا يقدمون على جرائمهم وهم مقتنعون بأنهم يتقربون إلى الله، نتيجة ما تعرضوا له من تضليل فكري، وهو ما اعتبره أخطر صور الانحراف العقدي، مؤكدًا أن هذا الفكر يعيد إنتاج النهج ذاته الذي اشتهر به الخوارج عبر التاريخ في استباحة دماء المسلمين.
وتؤكد هذه الشهادات، الصادرة عن كبار علماء الأزهر ورجالاته، أن التحذير من جماعة الإخوان لم يكن مرتبطًا بخلاف سياسي أو ظرف تاريخي بعينه، وإنما استند إلى قراءة علمية وفكرية رأت في منهج التنظيم خروجًا عن الوسطية الأزهرية، ومحاولة لتوظيف الدين في خدمة مشروع تنظيمي انتهى إلى تبني العنف والاغتيالات، وهو ما جعل عددًا من كبار العلماء يواجهونه مبكرًا، ويوثقون مواقفهم في شهادات ما زالت تمثل جزءًا مهمًا من تاريخ المواجهة الفكرية مع الجماعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك