كشفت قضايا الفساد في العراق عن استخدام المتهمين لطرق بدائية في إخفاء الأموال المنهوبة، ففي عصر شبكات غسل الأموال العابرة للقارات والتهريب عبر العملات المشفرة، لجأ الفاسدون في العراق إلى" دفن" الأموال تحت الأرض أو في تجاويف داخل الجدران.
وخلال المداهمات التي قامت بها الشرطة العراقية تم مصادرة كميات كبيرة من الأموال مخبأة داخل منازل وفي حفر تحت الأرض، كما تم العثور على كميات كبيرة من السبائك والمشغولات الذهبية، بالإضافة إلى مصادرة ممتلكات عقارية مرتبطة بقضايا الفساد.
وبعد القبض على وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، قال مجلس القضاء الأعلى العراقي، في بيان، إن" التحقيقات في الهدر الحاصل بالمشاريع المنفذة من المتهم وآخرين، أسفرت عن ضبط مبالغ مالية نقدية بلغت أكثر من 67 مليار دينار ومليون دولار".
ووفقاً لبيانات رسمية عراقية، كان جزء من هذه الأموال" مخبأ في منازل عدد من الأشخاص، فيما كان الجزء الآخر مخبأ تحت الأرض بعمق أربعة أمتار تم العثور عليها بعد حفر الأرض بآليات متخصصة".
وأصبح بذلك" مقدار المبالغ المالية التي تم ضبطها في القضية يتجاوز مبلغ 98 مليار دينار و11 مليون دولار، أي ما يزيد مجموعه عن 85 مليون دولار".
وشملت الإجراءات القانونية في قضية عدنان الجميلي كذلك" ضبط وحجز 70 عقاراً و21 سيارة حديثة، إلى جانب مصوغات ذهبية تقدّر بنحو 3 كيلوغرامات"، بحسب بيان آخر لمجلس القضاء الأعلى.
وفي أحدث تطورات قضايا الفساد في العراق، كشف وزير الاتصالات العراقي، مصطفى سند، عن فرار شخصين متهمين بفساد مالي كبير إلى فرنسا، في قضية ترتبط بـ" عقود مصافي النفط"، حيث أعلن في منشور عبر موقع التواصل الاجتماعي" فيس بوك"، اليوم الأحد، أن بحوزتهما أموالاً مهربة تقدر بنحو نصف مليار دولار.
وكشفت مصادر لقناة" العربية" أن القضاء العراقي أصدر مذكرة إنتربول بقضية المصافي بحق حسن الكردي ومحمد الكردي مع اتهامهم بتهريب نحو نصف مليار دولار.
وأضافت المصادر أن الأخوين محمد وحسن الكردي كانا خارج العراق أثناء اعتقال عدنان الجميلي وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التصفية.
ووفقاً لتقارير، فإن حسن الكردي، رجل أعمال عراقي شاب من مواليد عام 1993 وينحدر من محافظة صلاح الدين، وكان وسيطاً رئيسياً ومديراً لملفات مالية حساسة مرتبطة بعقود الطاقة وكان يتميز بنفوذ واسع خلف الكواليس، حيث أدار شبكات تمويل سياسي واقتصادي، ومن أهم عقوده مشاريع تتعلق بعقود الخزانات والطلبيات ومصافي نفطية في المحافظات الجنوبية.
وأشارت المصادر إلى أن حسن الكردي هرب ملايين الدولارات عبر شبكة خارج العراق، حيث أظهرت بيانات التتبع وجوده في دولة أوروبية تشير وسائل إعلام عراقية إلى أنها فرنسا ثم اختفى بعد ذلك.
وقالت المصادر إن حسن الكردي يرتبط بشراكة مع شخص يدعى شوانه الكردي يحمل الجنسية الألمانية يشاركه في رشاوى الفساد وشبكة تهريب الملايين من الأموال العراقية إلى الخارج.
أدى توقيف وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي في شهر مايو الماضي، إلى كشف عشرات المتورطين من نواب ومسؤولين ورجال أعمال بتهم فساد، حيث أقر المتهم في اعترافاته بتورط بعض الأسماء الكبيرة، فيما نفذت القوات الأمنية حملة مداهمات سمّتها" صولة الفجر"، أدت إلى توقيف نحو 67 شخصاً أغلبهم نواب ومسؤولون ورجال أعمال.
وفي بلد يعتمد على النفط في الحصول على 90% من إيراداته المالية، وفي نفس الوقت يأتي في ترتيب متأخر على مؤشرات الفساد العالمية، فإن مبيعات البترول تصبح هدفاً للسرقة، هذا هو ما يحدث في العراق على مدار سنوات.
ووفقاً لتقديرات غير رسمية، بلغت فاتورة الفساد في العراق نحو 500 مليار دولار منذ عام 2003، ويقدر خبراء ومختصون أن تكلفة الفساد في العراق تلتهم ثلث الإيرادات النفطية.
وقبل حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، كانت حصيلة العراق من تصدير النفط تتراوح من 6 إلى 7 مليارات دولار شهرياً، حيث يتجاوز حجم الصادرات 100 مليون برميل في الشهر، وفقاً لبيانات وزارة النفط العراقية.
الفقر والبطالة وعجز السكنالاقتصاد العراقي يواجه أزمات كبيرة حيث يصل معدل الفقر إلى 10.
8%، فيما سجل معدل البطالة 13%، وارتفع عجز السكن إلى 2.
4 مليون وحدة، ووسط كل هذه الأزمات يأتي الفساد المالي ليزيد من معاناة العراقيين في بلد غني بالنفط لكنه لا يستفيد من ثرواته.
وتتجه الحكومة العراقية إلى توسيع حملتها ضد الفساد، مع تحركات جديدة تقول إنها تستهدف ملاحقة المتورطين واستعادة الأموال العامة، في ملف يعود إلى الواجهة وسط تأكيدات رسمية باستمرار الإجراءات خلال المرحلة المقبلة.
ولم تبدأ حملة ملاحقة الفساد في العراق مع الاعتقالات الأخيرة فقط، فبحسب تصريحات مرتبطة بالملف، بدأت إجراءات التتبع والملاحقة منذ أكتوبر الماضي بقيادة القضاء العراقي، في مسار تقول الحكومة إنه يستهدف كشف ملفات الفساد وملاحقة المتورطين واستعادة الأموال العامة ضمن الإجراءات القانونية.
بحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتل العراق المرتبة 136 من أصل 182 دولة، في مؤشر يعكس استمرار التحديات التي تواجهها البلاد في ملف مكافحة الفساد.
وقال مدير مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية والمحلل السياسي العراقي، رائد العزاوي، إن الحملة التي تنفذها الحكومة العراقية ضد المتهمين بقضايا الفساد تمثل" أول حملة حقيقية بهذا الحجم منذ أكثر من عشرين عاماً"، مشيراً إلى أن العراق ظل طوال السنوات الماضية يتصدر المراتب المتأخرة على مؤشرات الفساد العالمية، بينما اقتصرت المحاولات السابقة على خطوات لم ترتق إلى مستوى الحملة الحالية.
ومن بين أكبر قضايا الفساد في العراق، كانت القضية التي صدر فيها الحكم خلال نوفمبر 2024، عندما حكم القضاء العراقي بالسجن على رجل أعمال ومسؤولين سابقين وموظفين حكوميين لتورطهم في سرقة 2.
5 مليار دولار من أمانات ضريبية، حيث تم وصف تلك القضية بـ" سرقة القرن".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك