في تحول دراماتيكي يعيد تشكيل الخريطة السياسية في أمريكا اللاتينية، لم يعد المشهد السياسي في القارة يحتمل المفاجآت، حيث أصبحت حملات الرؤساء تبارز في وعودها بـ" الحروب" ورفع" المناشير" ضد الفساد، واستعادة أمجاد الديكتاتوريات، والتقاط صور السيلفي أمام آلاف السجناء، والتهديد بمحو الخصوم من الخريطة، والأكثر إثارة للصدمة أن هذه الشخصيات هي مرشحة بقوة، تفوز بالانتخابات أو تصل إلى السلطة بفارق ضئيل.
اليمين بلا قناع: من التظاهر بالرقي إلى التباهي بالوقاحةووفقا لتقرير نشرته صحيفة الميلينيو الأرجنتينية فلم يكن اليمين في أمريكا اللاتينية قبل هذا العصر مثالاً للرقي الدبلوماسي، لكنه كان على الأقل يحافظ على مظاهر الحضارة ويلتزم بحدود الأداء السياسي التقليدي.
أما اليوم، فقد سقطت كل الأقنعة: هذا العصر هو عصر التحرر من الخجل، وعصر" الشر الوقح" كما يصفه التانجو، وعصر كسر كل الحدود، بل والتفاخر بالجهل أحياناً.
فهل يمكن لأحد أن يتخيل جايير بولسونارو أو أبيلاردو دي لا إسبرييلا أو حتى دونالد ترامب نفسه ممسكين بكتاب في أيديهم؟من أين جاءت هذه الموجة؟
اخفاقات اليسار وانتهاء دورة الأملوترى الصحيفة إلى أن الإجابة تكمن في وجهي العملة: الأول هو وجود طلب اجتماعي هائل على التغيير الجذري، والثاني هو وجود عرض سياسي مصمم خصيصاً لتلبية هذا الطلب.
ففي مطلع الألفية، رفع اليسار الوطني والشعبي رايات التغيير ضد النيوليبرالية والخصخصة ورفاهية النخب.
لكن مع مرور الوقت، تحول كثير من هذه الحركات إلى حراس للنظام القائم، واكتفت بمعالجة الأعراض دون تغيير الجوهر، بل واستنسخت في بعض الأحيان امتيازات النخب السابقة.
وجاءت الأجيال الجديدة دون ذاكرة الماضي، لتطالب بحقها في التغيير، وهنا برع استراتيجيو اليمين في تقديم شخصيات" خارجة عن النظام" تحمل خطاباً محافظاً يعود إلى الخصخصة، والولاء لواشنطن، وإلقاء اللوم على الفقراء في فقرهم، ووعود بحل الأمن بالرصاص.
ديمقراطية لا تطعم ولا تعالج.
فمن يدافع عنها؟في عام 1983، وعد الرئيس الأرجنتيني راؤول ألفونسين بأن الديمقراطية" تطعم وتعالج وتعلم".
لكن بعد أربعين عاماً، خلفه خافيير مايلي الذي صعد على أنقاض ديمقراطية متصدعة، وعد بإنهاء التضخم والسياسيين، موجهاً خطابه إلى" الطبقة السياسية" كعدو مشترك.
وفي السلفادور، قدم ناييب بوكيلي صفقة ضمنية للمجتمع: التخلي عن الديمقراطية مقابل الأمن في الشوارع، بعد أن كان معدل القتل 51 لكل 100 ألف نسمة.
دعم ترامب العلني يغير المعادلةلا يمكن فهم صعود هذه الموجة دون النظر إلى الدعم النشط من البيت الأبيض.
أصبح دونالد ترامب" الناخب الأكبر" في الانتخابات اللاتينيّة الأخيرة، حيث تقدم إدارته الدعم العلني لمرشحي اليمين المتطرف، في انعكاس لسياسة خارجية أمريكية جديدة تخلت عن كل أشكال التمويه الدبلوماسي.
معركة الخريف: لولا ضد بولسونارو مجدداًفي أكتوبر 2026، يستعد الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لمواجهة فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
ورغم أن لولا نجح في خفض الفقر من 27.
3% إلى 23.
1% بين 2023 و2024، وهو أدنى مستوى منذ بدء التسجيلات في 2012، فإن السباق مفتوح على مصراعيه.
ففي كولومبيا، خسر مرشح اليسار إيفان سيبيدا -رغم تراجع الفقر من 36.
6% إلى 28%- أمام أبيلاردو دي لا إسبرييلا، محامي المافيا والمتهم بالاحتيال، الذي وصل إلى الرئاسة وسط اتهامات بتزوير الانتخابات.
مستقبل القارة بين المنشار والديمقراطيةتبدو الصورة قاتمة: اليمين المتطرف يتحرك بلا حدود، واليسار يترنح بين التردد والخوف من ردود فعل السلطة، والإعلام الكبير (الذي هو مجموعات اقتصادية) يقرر أن كل شيء مباح: الأخبار الكاذبة، التجريم، تحريض المشاعر الدنيا كالحقد والكراهية والعنصرية.
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن أن تستمر هذه الموجة، أم أن هذه الأنظمة، المبنية على القمع والتضليل، تحمل في داخلها بذور انهيارها، بينما يظل الأمل الوحيد في قدرة اليسار على تقديم برنامج تغيير حقيقي في عالم تحاول فيه واشنطن اختصار هامش المناورة إلى الصفر؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك