دمشق – تنطلق، الاثنين، أولى جلسات مجلس الشعب السوري منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، في محطة مفصلية من مسار المرحلة الانتقالية، إذ يبدأ البرلمان الجديد ممارسة صلاحياته التشريعية وسط تحديات متشابكة تفرضها الأوضاع الأمنية، والاستحقاقات الدستورية، والجدل المستمر حول مستوى التمثيل السياسي والاجتماعي داخل المؤسسة التشريعية.
ويأتي انعقاد الجلسة بعد أيام من استكمال تشكيل المجلس، في وقت تسعى فيه السلطات السورية إلى تثبيت مؤسسات الدولة الجديدة وإظهار انتقال الحياة السياسية من مرحلة إدارة الفراغ إلى مرحلة بناء المؤسسات، بينما لا تزال التهديدات الأمنية والتحديات الاقتصادية تلقي بظلالها على المشهد العام.
وتحمل الجلسة الأولى أهمية تتجاوز الإجراءات البروتوكولية المعتادة، إذ سيؤدي أعضاء المجلس القسم الدستوري، قبل انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه وأميني السر، لتبدأ المؤسسة التشريعية ممارسة مهامها المنصوص عليها في الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي منحها صلاحيات واسعة طوال المرحلة الانتقالية الممتدة ثلاثين شهراً، وصولاً إلى اعتماد دستور دائم وتنظيم انتخابات تشريعية مباشرة.
ويضم مجلس الشعب 210 أعضاء جرى اختيارهم وفق صيغة انتقالية جمعت بين الانتخاب غير المباشر وتعيين ثلث الأعضاء بقرار من رئيس الجمهورية، وهي آلية فرضتها الظروف السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد، في ظل تعذر تنظيم انتخابات عامة بعد سنوات الحرب والانقسام المؤسسي.
لكن المجلس يبدأ أعماله في بيئة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل.
فبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على إعلان استكمال تشكيله، شهد محيط القصر العدلي في دمشق انفجاراً استهدف “مقهى المشيرية” الذي يرتاده محامون، بالتزامن مع هجمات استهدفت قوى الأمن في أكثر من منطقة، في تطورات أعادت الملف الأمني إلى واجهة المشهد السياسي.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه العمليات يحمل رسائل سياسية بقدر ما يحمل أبعاداً أمنية، إذ جاء متزامناً مع اكتمال بناء إحدى أهم مؤسسات الدولة الجديدة، ومع انطلاق خطوات العدالة الانتقالية ومحاكمة عدد من مسؤولي النظام السابق، بما يوحي بمحاولات لإرباك المسار الانتقالي وإظهار مؤسسات الدولة الجديدة بمظهر العاجز عن فرض الاستقرار.
وفي هذا السياق، تدرك السلطات السورية أن نجاح البرلمان لن يكون منفصلاً عن قدرة الدولة على تثبيت الأمن، إذ يصعب إطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة في ظل استمرار التهديدات الأمنية، وهو ما يجعل الملفين الأمني والتشريعي مترابطين بصورة وثيقة خلال المرحلة المقبلة.
ولا تقف التحديات عند الجانب الأمني، إذ تنتظر المجلس ملفات دستورية تعد الأكثر حساسية منذ سقوط النظام السابق.
فالإعلان الدستوري أوكل إليه مراجعة القوانين النافذة، وإقرار التشريعات الجديدة، والمصادقة على الاتفاقيات الدولية، وإقرار الموازنة العامة، ومراقبة أداء الحكومة، إضافة إلى المشاركة في رسم الإطار القانوني للنظام السياسي الجديد.
وتبرز في مقدمة هذه المهام عملية تشكيل لجنة لإعداد مشروع دستور دائم، وهي المهمة التي ينظر إليها باعتبارها حجر الأساس في إعادة بناء الدولة، إذ سيتحدد من خلالها شكل النظام السياسي، والعلاقة بين السلطات، وضمانات الحقوق والحريات، وآليات تداول السلطة، وصولاً إلى تنظيم أول انتخابات عامة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
ويقول باحثون إن المجلس لا يمثل سلطة تشريعية تقليدية بقدر ما يشكل مؤسسة تأسيسية يفترض أن ترافق ولادة النظام السياسي الجديد، ولذلك فإن جودة التشريعات التي سيصدرها، ومدى قدرته على بناء توافقات سياسية، ستكون عاملاً مؤثراً في استعادة ثقة السوريين بالدولة، وفي تشجيع المجتمع الدولي على الانخراط بصورة أكبر في جهود إعادة الإعمار.
كما ينتظر المجلس إعداد نظامه الداخلي خلال الشهر الأول من انعقاده، بما ينظم عمل اللجان الدائمة وآليات مناقشة مشاريع القوانين وممارسة الدور الرقابي، وهي خطوة أساسية لضمان فعالية المؤسسة التشريعية في التعامل مع الكم الكبير من الملفات المؤجلة منذ سنوات.
ورغم أهمية هذه الصلاحيات، فإن السؤال الأكثر حضوراً يتعلق بمدى قدرة البرلمان على تمثيل المجتمع السوري بكل مكوناته السياسية والطائفية والإثنية، وهو الملف الذي سيحدد إلى حد بعيد مستوى شرعيته السياسية خلال المرحلة المقبلة.
فعلى المستوى الطائفي، تشير تركيبة المجلس إلى حضور ممثلين عن مختلف المكونات السورية، بما في ذلك العرب والكرد والتركمان والشركس، إضافة إلى تمثيل للطوائف الإسلامية والمسيحية، في محاولة لإظهار المجلس باعتباره انعكاساً للتعددية التي يتميز بها المجتمع السوري.
إلا أن هذا التنوع العددي لا ينهي النقاش حول طبيعة التمثيل، إذ يرى منتقدون أن غياب الانتخابات المباشرة يحول دون قياس الوزن الحقيقي لكل تيار سياسي أو مكون اجتماعي، بينما يعتبر مؤيدو الصيغة الحالية أن المرحلة الانتقالية بطبيعتها تفرض حلولاً استثنائية تضمن استمرار مؤسسات الدولة إلى حين تهيئة الظروف الأمنية والسياسية لإجراء انتخابات عامة.
كما يظل تمثيل المناطق التي ما زالت تشهد أوضاعاً معقدة، مثل السويداء وبعض مناطق الشمال الشرقي، أحد أبرز التحديات أمام البرلمان، في ظل استمرار الخلافات السياسية، وتعثر استكمال دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن مؤسسات الدولة، فضلاً عن استمرار بعض القوى المحلية في تبني رؤى مختلفة بشأن شكل العلاقة مع السلطة المركزية.
ويذهب محللون إلى أن نجاح البرلمان لن يتوقف فقط على تمثيل المحافظات أو الطوائف، بل على مدى قدرته على إنتاج مناخ سياسي يشعر فيه السوريون، على اختلاف انتماءاتهم، بأن المجلس يعبر عن مصالح الدولة ككل، وليس عن موازين القوى التي أفرزتها المرحلة الانتقالية.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية لأن أي دستور جديد لن يكتب له النجاح ما لم يحظ بقدر واسع من القبول الوطني، وهو ما يجعل البرلمان مطالباً بإدارة حوار واسع مع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والاقتصادية، بما يضمن أن تكون التشريعات المقبلة انعكاساً لتوافقات وطنية لا لتوازنات ظرفية.
وفي الإطار ذاته، يواجه المجلس تحدياً آخر يتعلق بتمثيل المرأة.
فعلى الرغم من أن تعيين الثلث المكمل رفع عدد الأعضاء من النساء من ست إلى 21 امرأة، فإن هذه الخطوة لم تنه الجدل بشأن محدودية المشاركة النسائية، خصوصاً بعد احتجاجات شهدتها مدينة حلب اعتراضاً على انخفاض نسبة تمثيل النساء، وهو ما يعكس استمرار المطالب بتوسيع مشاركة المرأة في مؤسسات الدولة الجديدة.
كما ينتظر البرلمان التعامل مع ملفات اقتصادية لا تقل تعقيداً عن الملفات السياسية، تشمل تحديث البيئة التشريعية للاستثمار، وإقرار قوانين تدعم إعادة الإعمار، وإصلاح الإدارة العامة، وتطوير المنظومة الضريبية، ومكافحة الفساد، وهي ملفات ستكون حاسمة في قدرة الدولة على استعادة النشاط الاقتصادي وجذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية.
ويرى خبراء أن فرص نجاح البرلمان تبدو أكبر مما كانت عليه في السنوات الماضية، بالنظر إلى وجود سلطة مركزية تسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإلى وجود توافق إقليمي ودولي متزايد على أهمية استقرار سوريا، إلا أن هذه الفرص ستظل مرتبطة بمدى قدرة المجلس على العمل باعتباره مؤسسة جامعة لا ساحة لتكريس الانقسامات.
كما أن نجاح البرلمان سيعتمد على قدرته على إقامة علاقة متوازنة مع السلطة التنفيذية، بحيث يمارس صلاحياته الرقابية والتشريعية بصورة مستقلة، دون أن يتحول إلى مجرد مؤسسة لإقرار السياسات الحكومية، وهو ما سيشكل أحد أهم معايير تقييم أدائه خلال المرحلة الانتقالية.
وبين تحديات الأمن، واستحقاقات صياغة الدستور، ومتطلبات إعادة الإعمار، والاختبار الصعب المتمثل في تمثيل مختلف مكونات المجتمع السوري، يبدأ مجلس الشعب أولى مهامه في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ سوريا الحديث.
وستكون شرعيته الحقيقية مرهونة بما ينجزه على الأرض، وبقدرته على بناء توافقات وطنية تتجاوز الانقسامات التي خلفتها سنوات الصراع، لتتحول المؤسسة التشريعية إلى أحد أعمدة استعادة الدولة وترسيخ الاستقرار، لا مجرد محطة انتقالية في مسار سياسي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك