مع أن إسرائيل تواصل منع عشرات آلاف الفلسطينيين من العمل فيها منذ نحو ثلاثة أعوام وتحاول استبدالهم بعمالة أجنبية، فإن أكثر من 60 ألف فلسطيني لا يزالون يلتحقون بأعمالهم بصورة غير قانونية، في دلالة على فشل تل أبيب في إيجاد بديل منهم لأسباب متفاوتة.
ويقابل إصرار الحكومة الإسرائيلية الرافض منح تصاريح عمل لعشرات آلاف العمال، بتمسك أرباب العمل الإسرائيليين بالعمالة الفلسطينية وبخاصة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات.
قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أكثر من 200 ألف فلسطيني يعملون في إسرائيل، يشكلون ربع القوة العاملة في الضفة الغربية، ويحققون عائدات مالية تتجاوز الـ400 مليون دولار شهرياً.
لكن الحكومة الإسرائيلية من اليمين المتطرف ترفض عودة هؤلاء إلى أعمالهم" لأسباب أمنية"، في ظل خلافات مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في شأن ذلك.
وقبل أيام وافقت وزارة الاقتصاد والصناعة الإسرائيلية على تخصيص حصة إضافية لاستقدام 5 آلاف عامل أجنبي لقطاعات التجارة والخدمات، كمحاولة لسدّ النقص الحاد في الأيدي العاملة منذ السابع من أكتوبر، وفي ظل منع الفلسطينيين من دخول إسرائيل بصورة قانونية.
ووضع وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات، تلك الخطوة ضمن تصور" أمني اقتصادي استراتيجي" يستهدف منع عودة العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل في إسرائيل، واستبدالهم بعمال أجانب من دول تقيم علاقات مع إسرائيل.
واعتبر بركات أن" العصر الذي كان فيه الاقتصاد الإسرائيلي متعلقاً بالسلطة الفلسطينية الداعمة للإرهاب انتهى"، مشيراً إلى أن الحكومة الإسرائيلية" تقتلع من الجذور التعلق الخطر بالعمال الفلسطينيين".
وبحسب بركات الذي ينتمي إلى حزب الليكود، فإن تلك الخطوة" تعزز الأمن لأجيال، وتوفر استجابة لأصحاب المصالح الذين يحتاجون إلى عمال في قطاعات مختلفة".
مع ذلك فإن وزارة الاقتصاد أشارت إلى أن النقص في قطاعات الخدمات والصناعة يتجاوز 50 ألف عامل، حتى مع استقدام نحو 50 ألفاً آخرين من الخارج.
وبحسب الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين شاهر سعد، فإن" أرباب العمل في إسرائيل حريصون على استمرار وجود العمالة الفلسطينية، وبخاصة في قطاعات البناء والزراعة والصناعة".
وأشار إلى أن ذلك يعود إلى" معرفة تلك العمالة بمعايير العمل الإسرائيلية، وكلفتها المنخفضة مقارنة بالعمالة الأجنبية"، موضحاً أن تجربة إسرائيل في الاعتماد على العمالة الأجنبية" أثبت فشلها، فالعمالة من جنوب شرقي آسيا وأفريقيا لا تعرف معايير وطبيعة العمل في إسرائيل".
ويرى وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي عيسوي فريج، أن المحاولات القائمة من اليمين الإسرائيلي لاستبدال العمالة الأجنبية بالفلسطينية" أثبتت فشلها، ولا بديل من العمالة الفلسطينية بسبب القرب المكاني بين مناطق العمل والمدن والقرى الفلسطينية".
وأوضح فريج أن" الانتقال بين تل أبيب ورام الله ونابلس لا يستغرق أكثر من ساعة، وهو ما يتيح عودة العامل إلى بيته بعد انتهاء عمله، مما لا يتوفر للعمالة الأجنبية".
وتحوّل جنوب تل أبيب إلى منطقة لإقامة العمالة الأفريقية والآسيوية، ووفق فريج" لقد أصبح ذلك المكان خطراً على الإسرائيليين"، مؤكداً أن" العمالة الأجنبية تتسبب بمشكلات ديموغرافية وسلوكية واجتماعية للإسرائيليين".
وأشار إلى أن محاولات اليمين الإسرائيلي للقضاء على العمالة الفلسطينية يرفضها الواقع، واصفاً إياها بـ" الخزعبلات، والأحلام التي ستفشل على المدى البعيد".
وفق فريج فإن الفلسطينيين والإسرائيليين" جسم واحد لا يستطيع أحدهما التخلي عن الآخر، فهناك التزام واضح غير معلن بين مجموعة الشيكل، ومحاولات الفصل بينهما ستفشل".
وقال إن" أسعار العقارات شهدت ارتفاعاً خلال الأشهر الماضية بعد زيادة كلف البناء في ظل منع العمالة الفلسطينية من العمل".
ويرى المحلل الاقتصادي هانس شقور، أن محاولات الاستغناء عن العمالة الفلسطينية" لم تحقق النتائج التي كانت تُراهن عليها الحكومة الإسرائيلية".
ووفقه فإن ذلك يعود إلى" الكلفة الباهظة لاستقدام العامل الأجنبي، التي تشمل أجرته الشهرية وكلف الاستقدام ورسوم شركات الوساطة والسكن والتأمين والنقل والإجراءات الإدارية".
أما السبب الثاني فيعود، كما يقول شقور، إلى" المهارة والخبرة التي راكمها الفلسطينيون، الذين يعرفون معايير العمل ومتطلباته، مما ينعكس على سرعة الإنجاز وجودة التنفيذ، وهي مزايا يصعب تعويضها بسرعة".
ومن بين تلك الأسباب أيضاً، وفق شقور" تراجع جاذبية إسرائيل في أوساط العمالة الأجنبية بسبب الظروف الأمنية وعدم اليقين"، مشدداً على أن تجربة استبدال العمالة الفلسطينية" مسألة معقدة ومكلفة"، ومؤكداً أن" تجاوز اعتبارات الاقتصاد والإنتاجية بالقرارات السياسية لم ينجح".
وكان صندوق النقد الدولي أشار، في تقرير له الأسبوع الماضي، إلى أن تجنيد قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، وتراجع العمالة الفلسطينية والأجنبية شكّلا عامل ضغط مركزياً على الاقتصاد الإسرائيلي وبخاصة في قطاع البناء الذي تأثر بفقدان العمال الفلسطينيين وصعوبة تعويضهم بعمال أجانب.
وخفّض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي عام 2026 إلى 3.
5 في المئة، بعدما كانت 4.
8 في المئة قبل الحرب الأخيرة، محذّراً من أن التوترات الإقليمية والإنفاق العسكري المرتفع وقيود سوق العمل تضعف آفاق الاقتصاد الإسرائيلي على المدى المتوسط.
وبحسب سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية، فقد بلغت الحصة المقررة للعمال الأجانب لعام 2026 نحو 335 ألف عامل، بينما بلغ عدد الموجودين منهم فعلياً 195 ألف بنسبة 58.
3 في المئة.
وتكشف البيانات أن إسرائيل رفعت اعتمادها على العمالة الأجنبية بعد الحرب، إذ ارتفع إجمال العمال الأجانب القانونيين من 109.
2 ألف في 2023 إلى 195.
7 ألف في مايو (أيار) الماضي.
وتعكس تلك الأرقام تحوّلاً في سوق العمل الإسرائيلية بعد تقليص الاعتماد على العمال الفلسطينيين، لكنها تظهر أن العمالة الأجنبية لم تسد الفجوة بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك