هي ردة فعل تلقائية، لكنها حملت الكثير من المعنى، والكثير من الشجن، والكثير من البلاغة.
رفع حسام حسن علم فلسطين بعد انتصار مصر على أستراليا في مباراة دور الـ32 من كأس العالم، وقال كلمة خرجت من القلب.
ظهر في التسجيل منفعلاً متلعثمًا، بما يدل على أن كلماته لم تكن مرتبة أو معدة سلفًا، لكنها وصلت كاملة المعنى والتأثير.
تجلت فيها عفوية فطرية لمواطن مصري يحمل جينات حضارية أصيلة، تنطق بالحق دون تكلف، تمامًا كما نقول تلقائيًا: “الله” حين نرى شيئًا بديعًا، و”آه” حين نصطدم بشيء، و”فلسطين” حين تجرفنا الحماسة الوطنية والإنسانية.
ولم ينس حسام حسن، الذي يعرف موقعه تمامًا كأي مواطن مصري، أن يهدي الفوز إلى جميع الدول العربية، لكنه خص فلسطين بالاحتفاء، لخصوصية مكانها في القلب، ولمأساوية ما يعيشه شعبها.
والحقيقة أنني كلما شاهدت صور الفلسطينيين وهم يحتفلون بفوز المنتخب المصري، أيقنت أن الأثر الأعمق لهذا الانتصار يقبع هناك، على الحدود الشرقية.
ولو لم يفعل المنتخب المصري شيئًا سوى إدخال البهجة إلى قلوب إخواننا في فلسطين، لكفاه ذلك فخرًا.
وفي المقابل، رأينا الفرحة نفسها تعم معظم الشعوب العربية؛ في سوريا، والسعودية، والبحرين، وليبيا، والسودان، والأردن، والجزائر، وتونس، والمغرب، والكويت، وقطر، والعراق.
فرحة صادقة، وتعليقات خرجت من القلب، تؤكد أن لمصر مكانة خاصة في الوجدان العربي؛ مصر المشتهاة، مصر المنتصرة، مصر التي لا تخص المصريين وحدهم، بل لها في كل صدر عربي ضلع وقلب، وفي كل لسان أغنية، وفي كل ذاكرة مذاق.
وتلك الفرحة، بعفويتها قبل أي شيء، جاءت ردًا بليغًا على دعاة “الكيميتية” بصيغتها الدخيلة على ثقافتنا.
يريد هؤلاء أن يسجنوا مصر داخل حدودها الجغرافية، وأن يقلموا أغصانها الممتدة في الدوحة العربية، وأن يجتثوا أحد أهم جذور هويتها، عبر استعداء العالم العربي عليها، استنادًا إلى كلمة طائشة من مأفون هنا، أو تصرف شاذ من مخبول هناك.
لقد ازدهرت “الكيميتية” في السنوات الأخيرة بوصفها رد فعل على حركة “الأفروسنتريك” التي تسعى، زيفًا، إلى نسبة الحضارة المصرية إلى أجناس غير مصرية.
غير أن هذا التيار انحرف، في كثير من تجلياته، عن مساره الوطني بوصفه جبهة للدفاع عن تاريخ مصر، ليتحول إلى أداة لبث الفرقة بين مصر ومحيطها، ولا سيما الشعوب العربية، غير مدرك أن هذا المسلك يمحو من تاريخ مصر ما يقرب من ألف وخمسمائة عام، عاشت خلالها في قلب الثقافة العربية، فأثرت فيها بقدر ما تأثرت بها، وأسهمت في عمرانها وفنونها ولغتها وآدابها بقدر ما نهلت منها.
وهو مسلك يبدو أقرب إلى التخريب منه إلى البناء، وأقرب إلى القطيعة منه إلى الوعي.
نعم، هو انتصار في مباراة كرة قدم، لا أكثر.
لكنه حمل في دلالاته ما هو أكبر من كرة القدم؛ حمل هوية شعب يحتاج إلى أن يستعيد روحه بعد سنوات من الألم، وحمل حبًا فطريًا، وانتماءً طبيعيًا، لوطن يتجاوز حدوده الجغرافية، وينتمي إلى ثقافة امتدت عبر القرون، وظلت قادرة على جمع القلوب قبل أن تجمع الخرائط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك