ليست كل الأفلام التي تتناول التاريخ أفلامًا تاريخية، فبعضها ينجح في إنقاذ ما يسقط عادة من كتب التاريخ: التفاصيل الصغيرة، والأصوات الخافتة، والوجوه التي لا تظهر في الصور الرسمية.
وهذا تحديدًا ما يفعله فيلم «القصص» (٢٠٢٥) للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي؛ فهو لا يسعى إلى إعادة سرد تاريخ مصر بقدر ما يعيد إلينا الإحساس بكيفية عيشه.
إنه فيلم عن الذاكرة أكثر مما هو عن الماضي، وعن الزمن كما يمر داخل البيوت لا كما يُكتب في الوثائق.
ولذلك يخرج المشاهد وهو يشعر أنه لم يشاهد قصة أسرة واحدة، بل استعاد جزءًا من ذاكرته الشخصية، حتى وإن لم يعش تلك السنوات.
ولعل هذا ما يجعل الفيلم قريبًا من مفهوم الذاكرة الجماعية لدى موريس هالبفاكس ( Maurice Halbwachs)، الذي رأى أن الذاكرة لا تتشكل داخل الفرد وحده، وإنما تُبنى داخل الجماعات والعلاقات الاجتماعية.
فالماضي، في هذا الفيلم، لا يعود باعتباره سلسلة من الوقائع المنتهية، بل باعتباره خبرة مشتركة تستمر في تشكيل وعي الأفراد والمجتمع، وتنتقل من جيل إلى آخر عبر الحكايات والصور والأغاني والطقوس اليومية.
يتميز فيلم «القصص» بقدرته على إعادة كتابة التاريخ من الهامش لا من المركز.
فهو لا يروي تاريخ مصر من خلال الرؤساء أو الحروب أو القرارات السياسية، بل من خلال حياة أسرة مصرية عادية تتحول، تدريجيًا، إلى مرآة لذاكرة وطن بأكمله.
هنا لا يُكتب التاريخ في القصور أو في الخطب الرسمية، وإنما في البيوت، وفي المطابخ، وفي جلسات العائلة، وفي الفقد، وفي لحظات الفرح العابرة.
يتابع الفيلم رحلة أحمد (أمير المصري)، عازف البيانو الطموح، الذي يسعى إلى تحقيق أحلامه وسط تحديات الحياة وتقلبات العلاقات العائلية والعاطفية، بينما تمتد الأحداث زمنيًا من عام 1967 إلى عام 1984، مقسمة إلى فصول تحمل تواريخ مفصلية.
ويتسم إيقاع الفيلم بالسرعة، حتى يبدو الزمن نفسه وكأنه يلهث، فيما تلهث الشخصيات خلف أحلامها الصغيرة وسط التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى.
غير أن اللافت أن هذه التحولات لا تتحول إلى موضوع مباشر للفيلم، بل تظل خلفية تؤثر في مصائر الأفراد، لتؤكد أن التاريخ الحقيقي يُقاس بما يتركه من أثر في حياة الناس العاديين.
وتبقى شخصية فيروز (نيللي كريم) القلب النابض للفيلم.
فهي ليست مجرد أم تدير شؤون أسرتها، بل حارسة الذاكرة.
تكتب مذكراتها في الخفاء، كما لو أنها تحقق ما دعت إليه فرجينيا وولف (Virginia Woolf)في كتابها «غرفة تخص المرء وحده»؛ أي امتلاك المرأة فضاءً تكتب فيه ذاتها وتجربتها بعيدًا عن سلطة الآخرين.
لقد وجدت فيروز غرفتها في دفاترها، فوثقت تاريخًا لم تدونه السرديات الرسمية.
وحين تعثر إليزابيث (فاليري باشنر)، زوجة الابن الأكبر، على هذه المذكرات بعد وفاة فيروز، وتقرر نشرها في كتاب، تتحول الكتابة النسوية والذاكرة الشفهية إلى أرشيف بديل، يكشف أن ما تحفظه النساء داخل البيوت لا يقل قيمة عما تحفظه الدول في أرشيفاتها.
وهنا يقترب الفيلم من مفهوم «أماكن الذاكرة» عند بيير نورا (Pierre Nora)، الذي يرى أن الذاكرة لا تستقر فقط في المتاحف والنصب التذكارية، بل أيضًا في الأشياء اليومية التي تختزن خبرات البشر.
فدفاتر فيروز ليست مجرد مذكرات شخصية، وإنما تتحول إلى مكان للذاكرة، يحمل تاريخًا موازيًا لذاك الذي تكتبه المؤسسات الرسمية.
كما يستحضر الفيلم ما تطرحه دراسات ذاكرة النساء التي تؤكد أن النساء كن، عبر التاريخ، الحافظات غير المرئيات للذاكرة الاجتماعية، ينقلن تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات، والخبرات الإنسانية التي كثيرًا ما استبعدتها السرديات الوطنية الكبرى.
ومن أجمل لحظات الفيلم تلك المفارقة الإنسانية التي تقول فيها فيروز ساخرة: «أنا ربيت أربعة رجالة وما بيعرفوش يعملوا حاجة… علشان طول الوقت بيتفرجوا على الكورة.
» ثم تترك قبل رحيلها وصيتها البسيطة والعميقة: «لازم نفرح النهارده… مش بكرة.
» عبارة تختزل فلسفة الفيلم كلها؛ فالحياة لا تنتظر اكتمال شروطها، بل تُعاش رغم الهزائم والفقد والتحولات.
ويلعب العنصر الموسيقي دورًا بالغ الذكاء.
فالأغاني ليست مجرد خلفية صوتية، بل ذاكرة سمعية تعيد بناء روح كل مرحلة تاريخية.
تنتقل الموسيقى مع انتقال الزمن، فتستدعي ليس فقط أحداث الماضي، بل أيضًا وجدانه الجماعي، وأحلامه، وخيباته.
وكما تحفظ الصور ذاكرة البصر، تحفظ الأغاني ذاكرة الشعور، لتصبح جزءًا من الأرشيف العاطفي للمجتمع، وتؤرخ للعصر بقدر ما تؤرخ له الصورة.
وهنا تتجسد فكرة بيير نورا مرة أخرى؛ فالأغنية تصبح أحد «أماكن الذاكرة»، إذ لا تحفظ الحدث نفسه بقدر ما تحفظ الإحساس به، وما إن تُسمع حتى تستدعي زمنًا كاملًا بما يحمله من وجوه وروائح وأحلام وانكسارات.
أما حضور المذيع في التليفزيون داخل الفيلم، الممتد عبر عهود عبد الناصر والسادات ومبارك، فيمثل أحد أكثر العناصر ذكاءً في البناء السردي.
فهو ليس مجرد ناقل للأخبار، بل صوت السلطة وهي تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتبث خطاباتها التحفيزية، وتصوغ معنى الوطنية والأمل والهزيمة والانتصار وفق مقتضيات كل مرحلة.
ويذكرنا ذلك بأن الإعلام لا يكتفي بنقل الواقع، بل يسهم في إنتاجه وتأطير معانيه، وتوجيه الكيفية التي يتذكر بها المجتمع أحداثه.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة حضور الإعلام في الفيلم في ضوء مفهوم الأجهزة الأيديولوجية للدولة عند لويس ألتوسير( Louis Althusser)، الذي رأى أن وسائل الإعلام تمارس دورًا يتجاوز نقل المعلومات إلى إنتاج منظومة من القيم والتصورات التي تبدو طبيعية وبديهية للمواطنين.
وفي مقابل هذا الصوت الرسمي، يضع الفيلم أمامنا صوتًا آخر أكثر هدوءًا وصدقًا: صوت العائلة، والذاكرة الشفهية، ودفاتر النساء، حيث يُكتب تاريخ موازٍ، أقل صخبًا لكنه أكثر إنسانية وصدقًا.
ولعل هذا هو الإنجاز الأهم للفيلم؛ إذ يذكرنا بأن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل فعل مقاومة للنسيان.
فالوثائق الرسمية تروي تاريخ الدول، أما دفاتر الأمهات، والصور العائلية، والأغاني، والحكايات التي تتناقلها الأجيال، فتروي تاريخ البشر.
وكلما بدا أن التاريخ الرسمي يختزل المجتمع في أحداثه الكبرى، يعيد «القصص» الاعتبار لذاكرة الحياة اليومية، حيث تتقاطع المشاعر مع السياسة، والعائلة مع الوطن، والفرد مع الجماعة.
ومن خلال هذا الأرشيف الحميم، ينجح أبو بكر شوقي في تحويل سيرة أسرة واحدة إلى سيرة وطن كامل، ويؤكد أن التاريخ الحقيقي لا يُكتب فقط في سجلات الدولة، بل أيضًا في دفاتر النساء، وفي الأغاني، وفي البيوت، وفي الذاكرة الحية التي تستمر في مقاومة النسيان.
د.
نيفين النصيري (جامعة ويسكنسون- ماديسون بالولايات المتحدة الأمريكية).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك