يُعد الإعلام أحد أقدم المعارف الإنسانية، عرفته الحضارات القديمة وتطور في كل العصور حتى وصل إلى محطتنا في الزمن المعاصر.
العصر الحديث يشهد تطوراً مذهلاً في هذا المجال، صار الإعلام سلاحاً فوق الأسلحة الفتاكة.
صار العمود الأساسي في أعمدة القوة الناعمة التي صار لها تأثير كبير في العلاقات الدولية والسياسة العالمية.
بالإعلام يمكن تحقيق أهداف الدولة بدون تكلفة باهظة وهو ما يطبق مبدأ صن تزو «أفضل الانتصارات تلك التي تتحقق بدون حرب».
لم يعد الإعلام محصوراً في وسائل قليلة أو حتى يمكن عدها، يمكن اعتبار كل وسيلة إعلاماً، لم يعد الإعلام حكراً على الصحف المطبوعة أو التلفزيونات أو الإذاعات، صارت هناك منصات يصعب حصرها، جعلت من كل فرد على كوكب الأرض وسيلة إعلامية متنقلة ومؤثرة.
جاءت مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن الإعلام والتركيز على إصلاحه في مناسبة افتتاح الأوكتاجون، في وقت لم تعد فيه معركة الإعلام تدور بين قنوات فضائية وصحف مطبوعة، إنما بين دول وشركات تكنولوجية عملاقة تملك القدرة على توجيه الرأي العام العالمي وتؤثر في قرارات الدول.
منصات التواصل الاجتماعي لا تنتج الأخبار بالمعنى التقليدي، إنما تتحكم في وصول الأخبار إلى الجمهور بعد تنقيتها مما لا تريد نشره، وتحدد ما يظهر أولاً وما يختفي، ما ينتشر وما يبقى محدود الانتشار، من خلال خوارزميات تشكيل الرأي العام، أكثر فاعلية من المؤسسات الإعلامية.
تطوير الإعلام المصري يجب أن يبدأ من إدراك أن المنافس لم يعد قناة عربية أو صحيفة أجنبية، إنما شركات تكنولوجية عملاقة تملك من البيانات عن المستخدمين ما لا تحلم الحكومات نفسها بالحصول عليه.
صار الإعلام صناعة معرفة تعتمد على تحليل البيانات، ودراسة اتجاهات الجمهور، وقياس ردود الأفعال لحظة بلحظة.
المؤسسات الإعلامية الكبرى لم تعد تنتظر تقارير المشاهدة الشهرية كما كان يحدث في الماضي، إنما تعرف في كل دقيقة عدد الذين يشاهدون مادة معينة، واللحظة التي تركوا فيها الفيديو، والعنوان الذي جذبهم، والصورة التي دفعتهم إلى الضغط، والفئة العمرية التي تفاعلت مع المحتوى، والمدينة التي جاء منها المتابع، والموضوعات التي يهتم بها.
وبناء على هذه البيانات يُعاد إنتاج المحتوى بصورة مستمرة.
هذا ما يحدث في العالم المتقدم، بينما لا تزال مؤسسات كثيرة في العالم العربي تعتمد على الحدس الشخصي أكثر مما تعتمد على العلم، وعلى تقديرات القائمين على الأمر أكثر مما تعتمد على تحليل سلوك الجمهور الحقيقي.
في كوريا الجنوبية لم يكن النجاح الإعلامي منفصلاً عن مشروع الدولة ككل.
أدركت الحكومة أن الدراما والسينما والموسيقى والألعاب الإلكترونية والإعلام الرقمي ليست وسائل ترفيه فقط، إنما أدوات لتعزيز النفوذ الاقتصادي والثقافي والسياسي.
استثمرت في الصناعات الإبداعية، وربطت الجامعات بالشركات، وقدمت حوافز للإنتاج، واهتمت بتسويق المحتوى عالمياً.
اليوم أصبح كثير من الشباب في العالم يعرف كوريا من خلال الدراما والأغاني والمنصات الرقمية قبل أن يعرفها من خلال السياسة أو الاقتصاد، هذا هو المعنى الحقيقي للقوة الناعمة.
أدركت سنغافورة أن الدولة الصغيرة لا تستطيع أن تنافس بحجمها، إنما يمكنها المنافسة بالكفاءة.
أسست منظومة إعلامية تعتمد على التدريب المستمر، والتخطيط طويل المدى، وربط الإعلام بالتكنولوجيا والاقتصاد، مراكزها الإعلامية صارت جزءاً من مشروعها للتحول إلى مركز عالمي للأعمال والخدمات.
لم يكن الإعلام معزولاً عن التنمية، كان في مقدمة أدواتها.
لكل دولة ظروفها، لكن الدرس، أن الإعلام يتطور من خلال رؤية استراتيجية تمتد لسنوات وربما لعقود، تشارك فيها مؤسسات الدولة، فقد صار صناعة كبيرة معقدة تتقاطع مع الاقتصاد الرقمي، والتعليم، والثقافة، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والتسويق، والعلاقات الدولية.
حرية الإعلام جزء من الكفاءة، الحرية في جوهرها قدرة الصحفي على البحث، والسؤال، والتحقق، وعرض الوقائع بصورة مهنية، وتقديم أكثر من زاوية للنظر، مع الالتزام بالقانون وأخلاقيات المهنة.
المتلقي لا يثق في وسيلة إعلام لأنها تؤيد هذا الاتجاه أو ذاك، إنما لأنها تقدم معلومات دقيقة يمكن التحقق منها، وتعترف بخطئها إذا أخطأت، ولا تتعمد إخفاء الوقائع أو تشويهها.
وكلما ازدادت الثقة ازدادت القدرة على التأثير، لأن التأثير في النهاية ليس نتيجة امتلاك منبر، وإنما لامتلاك المصداقية.
من القضايا التي ينبغي مناقشتها، علاقة الإعلام بالاقتصاد، المؤسسة الإعلامية التي تعاني من خسائر مستمرة لا تستطيع أن تستثمر في التدريب أو التكنولوجيا أو المحتوى، والإعلام الذي يعتمد بالكامل على مصدر واحد للتمويل يفقد قدرته على التطوير.
لهذا اتجهت المؤسسات العالمية إلى تنويع مصادر دخلها من خلال الاشتراكات الرقمية، والإعلانات الموجهة، والخدمات الإعلامية، وإنتاج الوثائقيات، والبودكاست، والفعاليات، والمنتجات الرقمية.
صار النجاح الاقتصادي جزءاً من الاستقلال المهني، لأن المؤسسة التي تستطيع تمويل نفسها تكون أكثر قدرة على التخطيط والاستمرار.
استعادة الإعلام المصري دوره يكون بإعادة تعريف رسالته في عالم تغيرت فيه قواعد التأثير، أصبح النجاح يقاس بقدرة المؤسسة على الوصول إلى الجمهور حيث يوجد، باللغة التي يفهمها، بالوسيلة التي يفضلها، مع الحفاظ على الحقيقة والدقة والاستقلال المهني.
حين يدعو رئيس الدولة إلى حوار شامل حول الإعلام، فإن القضية في حقيقتها لا تكون قضية برامج أو مذيعين أو صحف أو نسب مشاهدة، إنما إدراكاً بأن إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي العام تحتاج إلى مراجعة شاملة.
الإعلام لم يعد مجرد نشاط مهني ينقل الأخبار أو يعلق عليها، أصبح أحد مكونات الأمن القومي، أحد عناصر الاقتصاد، أحد أدوات السياسة الخارجية، أحد أهم أسلحة المنافسة بين الدول.
الدول لا تتنافس فقط بما تملكه من جيوش أو مصانع، إنما بما تملكه من قدرة على التأثير في الآخرين، هذه القدرة أصبحت صناعة كاملة هي القوة الناعمة، والإعلام القلب النابض لهذه الصناعة.
العالم الذي عرفته المؤسسات الإعلامية في القرن الماضي لم يعد موجوداً، المحمول صار أكبر مؤسسة إعلامية، الفرد العادي صار قادراً على الوصول إلى جمهور يفوق جمهور قنوات فضائية كاملة.
الخبر يولد على منصة رقمية ثم تنتقل إليه الفضائيات وليس العكس، الحكومات نفسها تتابع ما يقال على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعقد مؤتمراتها الصحفية.
ولم تعد المنافسة بين صحيفة وأخرى أو بين قناة وقرينتها، إنما بين وسائل الإعلام التقليدية وبين مليارات الحسابات الشخصية التي تنتج محتوى كل دقيقة.
مشكلة الإعلام المصري ليست في التمويل، فالمال ضروري لكنه لا يصنع بمفرده إعلاماً مؤثراً.
مؤسسات إعلامية عالمية بدأت بإمكانات محدودة ثم صارت من أكثر المؤسسات تأثيراً لأنها امتلكت رؤية واضحة، واستثمرت في الإنسان قبل أن تستثمر في المباني والأجهزة.
في جانب آخر توجد مؤسسات أنفقت الكثير لكنها لم تستطع بناء الثقة، لأن الجمهور لا يقيس قيمة الإعلام بحجم الاستوديو وإنما بقدرته على احترام عقله.
الثقة القضية المركزية في الإعلام.
المتلقي قد يغفر للمؤسسة الإعلامية خطأ مهنياً إذا صححته، لكنه لا يغفر لها إذا شعر أنها لا تقدم له الصورة كاملة أو أنها تتعامل معه باعتباره متلقياً سلبياً لا يملك حق المقارنة.
أصبح الفرد يمتلك عشرات المصادر، لذلك فأي محاولة لإخفاء معلومة أو تجاهل قضية أو تقديم معالجة غير مقنعة تدفعه فوراً إلى البحث عن مصدر آخر.
هنا لا يخسر الإعلام خبراً، إنما يخسر ثقة تتراكم عبر سنوات، ويكون استعادتها أصعب كثيراً.
دعوة الرئيس إلى الحوار الإعلامي فتحت باب المراجعة، وهي بداية جيدة لتحديد: ما الذي تريده الدولة من إعلامها؟ وبناء على ذلك، ليعمل الجميع كل في موقعه وحسب خبراته لاستعادة مكانتنا الإعلامية، ليس عربياً فحسب وإنما على المستوى الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك