صولة الزيدي حديث الساعة.
ماذا يقول تحالف “الإعمار والتنمية”؟لم يكن اعتقال وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي مجرد حدثٍ قضائي عابر، بل تحول سريعاً إلى مادةٍ للصراع السياسي والإعلامي، بعدما حاولت بعض الأطراف ربط القضية بتحالف “الإعمار والتنمية” ورئيسه محمد شياع السوداني، في إطار حملة هدفت إلى تحميل الائتلاف مسؤولية سياسية عن أفعال تُنظر إليها قانونياً على أنها مسؤولية فردية تخضع للتحقيق والقضاء.
لكن طريقة تعامل تحالف “الإعمار والتنمية” مع هذه التطورات عكست مساراً مختلفاً عن الأساليب التقليدية التي اعتادت عليها القوى السياسية العراقية في الدفاع عن المسؤولين أو التشكيك بالإجراءات القضائية بمجرد توجيه الاتهام إلى أحد المنتسبين إليها أو المقربين منها.
فمنذ الساعات الأولى لظهور القضية، لم يصدر عن التحالف أي موقف يتضمن الدفاع عن المتهم أو الطعن بالإجراءات القضائية، بل ركز خطابه على مبدأ أن مكافحة الفساد ينبغي أن تشمل الجميع دون استثناء، وأن أي شخص تثبت بحقه شبهات فساد يجب أن يخضع للتحقيق والمحاكمة وفقاً للقانون، بعيداً عن الانتماءات السياسية أو المواقع التنفيذية.
وفي المقابل، حاول خصوم الائتلاف تصوير القضية على أنها ضربة مباشرة للتحالف، مستندين إلى أن الجميلي شغل منصباً تنفيذياً خلال المرحلة السابقة، إلا أن هذا الطرح واجهه الائتلاف بالتأكيد على أن المسؤولية الجنائية مسؤولية شخصية، وأن وجود مسؤول ضمن مؤسسة حكومية لا يمنح أي جهة سياسية حق التدخل لحمايته أو تعطيل الإجراءات القانونية بحقه.
كما حرص قادة التحالف على عدم الدخول في سجالات إعلامية حادة، وتركوا مساحة أوسع للمؤسسات القضائية وهيئة النزاهة لاستكمال عملها، في رسالة مفادها أن الملفات يجب أن تُحسم داخل أروقة القضاء لا عبر المنصات الإعلامية أو حملات التواصل الاجتماعي.
في الوقت نفسه، برز موقف رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني بوصفه أحد المؤشرات المهمة في هذا المشهد، إذ لم يظهر أي تشنج أو اعتراض على حملة مكافحة الفساد التي تقودها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، بل عكست مواقفه دعماً واضحاً لاستمرارها، مع التأكيد على ضرورة احترام استقلال القضاء وعدم تسييس التحقيقات أو توظيفها في الصراعات بين القوى السياسية.
وهذا الموقف أسهم في تقليل فرص تحويل القضية إلى أزمة سياسية بين الحكومتين أو بين القوى المنضوية ضمن التحالفات المتقاربة، كما بعث برسالة مفادها أن مكافحة الفساد ينبغي أن تكون مشروع دولة لا مشروع حكومة بعينها.
ومنذ انطلاق التحقيقات، حافظ تحالف “الإعمار والتنمية” على قنوات تواصل مؤسسية مع الجهات الرقابية والقضائية، مؤكداً استعداده لتقديم أي معلومات أو وثائق تُطلب منه إذا كانت تسهم في كشف الحقائق أو استكمال التحقيقات، وهو ما يمثل محاولة لترسيخ مبدأ التعاون مع المؤسسات الرقابية بدلاً من الاصطفاف السياسي لحماية الأشخاص.
لم يقتصر خطاب التحالف على التعاطي مع القضية الحالية، بل توسع للمطالبة بفتح ملفات أخرى يرى أنها لا تقل أهمية عن الملفات التي يجري التحقيق فيها حالياً، وفي مقدمتها ملفات تسليح الجيش العراقي، وملف تسويق الحنطة، وقضية “سرقة القرن”، فضلاً عن ملفات تعاقدية ومالية أثيرت خلال السنوات الماضية وما زالت محل جدل سياسي وإعلامي.
يؤكد هذا الطرح، أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد أو حجم الشخصيات التي يتم توقيفها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى مختلف الملفات من دون انتقائية أو اعتبارات سياسية، بما يعزز ثقة الرأي العام بأن المعايير واحدة على الجميع.
في خضم الحملات الإعلامية المتبادلة، يبدو أن تحالف “الإعمار والتنمية” اختار الابتعاد عن سياسة المواجهة المباشرة، معتمداً خطاباً يقوم على دعم الإجراءات القانونية، والتأكيد على استقلال القضاء، والدعوة إلى توسيع نطاق التحقيقات لتشمل جميع الملفات التي أثيرت بشأنها شبهات خلال السنوات الماضية، بصرف النظر عن الجهة أو الشخص المعني بها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك