مبدأ عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول أقرته كل المواثيق الدولية، وأجمعت عليه الدول الكبرى والصغرى، منذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة في 1945، وأصبح من أهم المبادئ الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة، وتعزز بإعلان عدم جواز التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول، بموجب قرار الجمعية العامة الصادر في 9 ديسمبر 1981 والذي نص صراحة على أنه “لا يحق لأية دولة أن تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر، ولأي سبب كان، في الشؤون الداخلية والخارجية لأية دولة أخرى”.
ولكن من الواضح أن هذه المبادئ لم تعد مهمة عند بعض القوى، حيث جرى التوسع في الانتهاك المتواصل لسيادة الدول، حتى أصبح هو القاعدة، وأصبحت بعض الدول تجتمع لمناقشة مسودة دستور دولة أخرى، ودول تقتسم أراضي دول أخرى، وتحولها إلى كانتونات، مع رسم خطوط طولها وعرضها، وإقامة المعسكرات وتدريب المليشيات.
ودول تدعم العملاء والمليشيات الانفصالية، فتتحول إلى رهينة في خدمة أجنداتها، تأسيسًا على منطق القوة والهمجية السياسية والعسكرية.
وقد يتم تبرير هذه الهمجية، بالحديث عن نشر الديمقراطية، وحقوق الإنسان، أو الدفاع عن الأقليات والأكثريات، لتشريع التدخلات المباشرة وغير المباشرة أو حتى الوصاية، أو لتبرير انتهاك حدود الدول الاقتصادية والسياسية، أو المساس بهويتها الثقافية.
فالسيادة الوطنية أصبحت على رأس العناصر المستهدفة في مناخات التحوّلات العالمية الجديدة التي أسقطت هذا المفهوم الجوهري من حساباتها.
في مثل هذه المناخات الصَّعبة والمربكة، يكون لزامًا على الدَّولة الوطنية المهدَّدة بصنوف التَّدخلات، واجبُ ثبات الرُؤية الوطنية، ووضع أهداف وممارسات السياسة الوطنية رهنَ الجهد الوطني.
والذي لا تعنيه أجندات الخارج، ولا ارتباطاتها بلعبة المصالح الدولية أو الإقليمية، والعمل في ذات الوقت، على تعزيز أدوار الدَّولة الوطنية، لتتمكن من مواجهة هذه التحديات وبناء التحالفات المعززة لسيادتها، ما يُعطيها قوةَ الإرادة في الدِّفاع عن القرار الوطني والسيادة الوطنية، وتوفير المناخ الملائم للتَّنمية والاستقرار والتواصل مع العالم.
إن الدُّول التي تنجح في المحافظة على استقلال قرارها الوطني، وسيادتها - مهما كانت قوتها، وحجمها الجغرافي والسياسي والاقتصادي - هي بالضرورة تلك التي تنجح في تأمين جبهتها الدّاخلية بالدرجة الأولى، وتحقيق التَّنمية والاستقرار لشعبها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك