قبل أسابيع قليلة، مرّ علينا عيد الأب، والذي يصادف الحادي والعشرين من يونيو من كل عام، ومرّ هذا اليوم بهدوء، كما تمر أشياء كثيرة في حياتنا، دون أن يحظى بالاهتمام الذي يوازي مكانة الأب أو يعكس حجم عطائه.
وكأننا اعتدنا وجوده حتى أصبح حضوره أمرًا مسلمًا به، لا نتوقف عنده إلا عندما يغيب.
فالأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو الركيزة التي تستند إليها، والسند الذي يمنح أبناءه الشعور بالأمان والاستقرار.
قد لا يكون الأكثر حديثًا، ولا الأكثر تعبيرًا عن مشاعره، لكنه حاضر في كل تفاصيل الحياة، يحمل مسؤولياته بصمت، ويؤدي دوره بإخلاص دون أن ينتظر كلمة شكر أو ثناء.
وفي مجتمعاتنا العربية، يحمل الأب مسؤولية مضاعفة؛ فهو مطالب بأن يكون قويًّا في كل الظروف، وأن يخفي تعبه وهمومه حتى لا تنعكس على أسرته.
اعتاد أن يكتم قلقه، وأن يواجه ضغوط الحياة بصمت، لأن قناعته الراسخة أن أسرته تستحق أن ترى منه الطمأنينة لا التعب، والأمل لا الانكسار.
ومنذ اللحظة الأولى لتكوين الأسرة، تبدأ رحلة الأب التي لا تعرف التوقف.
رحلة مليئة بالمسؤوليات والتضحيات والتفكير المستمر في مستقبل أبنائه.
يسعى لتوفير حياة كريمة لهم، ويعمل من أجل تعليمهم، وتأمين احتياجاتهم، وبناء مستقبلهم، ويتحمل ضغوط العمل وأعباء الحياة اليومية، ثم يعود إلى منزله مبتسمًا، وكأن شيئًا لم يكن.
كم من أب أخفى قلقه حتى لا يقلق أبناؤه، وكم من أب تحمل ضيقًا ماليًّا دون أن يشعر به أحد، وكم من أب تنازل عن راحته وأحلامه لتصبح أحلام أبنائه هي حلمه الحقيقي.
فالأب غالبًا قليل الكلام، لكنه كثير الأفعال؛ يعطي بلا حدود، ويضحي دون انتظار مقابل، ويواصل مسيرته بصمت لأنه يرى أن مسؤوليته تجاه أسرته شرف قبل أن تكون واجبًا.
ومع تغير الزمن، تغيرت صورة الأب أيضًا.
فقد أصبح أكثر قربًا من أبنائه، يشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية، ويسهم بصورة أكبر في تربيتهم جنبًا إلى جنب مع شريكة حياته، الأم، التي يبقى دورها ركيزة أساسية في بناء الأسرة.
إلا أن ما لم يتغير هو حجم المسؤولية التي يحملها الأب، ولا طبيعة العطاء الذي يقدمه دون كلل أو انتظار.
ورغم كل ما يقدمه، يبقى الأب أقل أفراد الأسرة حديثًا عن نفسه، وأكثرهم انشغالًا براحة الآخرين.
قد لا يطلب شيئًا، ولا ينتظر المقابل، لكنه يستحق أن يشعر بأن ما بذله من جهد وتضحيات كان محل تقدير وامتنان.
إن تكريم الأب لا ينبغي أن يقتصر على يومٍ واحد في العام، بل يكون بالاعتراف الدائم بمكانته، واحترام دوره، وتقدير عطائه في كل يوم.
فالأب ليس مجرد لقب، بل رسالة ومسؤولية وعطاء لا ينتهي.
وسيظل الأب، مهما قيلت في حقه الكلمات، ذلك الإنسان الذي يصنع من صمته قوة، ومن تعبه راحة، ومن تضحياته مستقبلًا لأبنائه.
ولهذا سيبقى “صمت العطاء” هو الوصف الأصدق لكل أب، لأن ما يقدمه أكبر من أن تختصره الكلمات، وأعمق من أن يفيه يوم واحد من التقدير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك