أصبحت الصيدليات ومتاجر مستحضرات التجميل وجهات أساسية للمسافرين الساعين إلى اقتناء واقيات الشمس التي تحظى بشعبية واسعة.
قضت كايتلين فرانسيس-أغنيو، قبل رحلتها الأخيرة إلى سول، عاصمة كوريا الجنوبية، أسابيع في إعداد برنامج رحلتها، متضمناً زيارة متجر" أوليف يونغ"، أبرز متاجر مستحضرات التجميل في كوريا الجنوبية، وكان هدفها شراء أكبر عدد ممكن من واقيات الشمس الكورية يمكن حملها معها إلى كندا.
وفي ليكلاند في ولاية فلوريدا، تستعد آنا كلارك لرحلة صيفية إلى قرطاجنة في كولومبيا، وأرسلت لي لقطة شاشة من خرائط غوغل، حددت فيها مسارات الذهاب إلى سلسلة صيدليات" فارماتودو" الكولومبية.
وكتبت: " تبعد ثماني دقائق سيراً على الأقدام من فندقنا، سأحرص على زيارتها"، إذ تعتزم شراء واقيات الشمس الأوروبية الرائجة، المتوفرة خارج الولايات المتحدة وغير المتاحة داخلها.
ويبدو أن زمن العودة من الرحلات بمغناطيسات الثلاجة التي تحمل طابع الوجهة السياحية قد انتهى، فبالنسبة إلى شريحة متنامية من المهتمين بالجمال، أصبح شراء واقيات الشمس التذكار الأبرز الذي لا بد من اقتنائه خلال العطلات.
لماذا واقيات الشمس تحديداً؟تقول عالمة النفس السلوكي، كارولين ماير، إن عادات التعرض لأشعة الشمس شهدت تغيراً جذرياً منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، فبعد أن كان تسمير البشرة رمزاً للحيوية والاستجمام، " بات واقي الشمس بصورة متزايدة جزءاً من روتين العناية اليومية بالنفس والشيخوخة الصحية"، وتضيف أن ثقافة العناية بالبشرة على وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في ترسيخ هذا المفهوم، وفي تعريف المستهلكين الواعين بتركيبات مبتكرة لواقيات الشمس من مختلف أنحاء العالم.
وتأتي أكثر الخيارات رواجاً من منطقة آسيا والمحيط الهادئ ومنطقة البحر المتوسط، حيث تسجل درجات الحرارة خلال فصل الصيف إلى مستويات مرتفعة للغاية.
وقالت رينا كيم، مسؤولة الاتصالات العالمية في" أوليف يونغ"، في حديثها لبي بي سي، إن السائحين الأجانب القادمين من أكثر من 190 دولة أسهموا بما يزيد على 25 في المئة من إيرادات الشركة خلال عام 2025، فيما برزت منتجات العناية بالبشرة من أشعة الشمس بوصفها إحدى الركائز الأساسية لمنتجات الجمال الكورية، ولا سيما لدى المتسوقين من الولايات المتحدة والبرازيل.
وتشير التقارير إلى أن فرع" سنترال ميونغ دونغ تاون" الجديد التابع لـ" أوليف يونغ" يشهد إقبالاً كبيراً من السائحين الذين يصلون حاملين حقائب سفر وأكياس تسوق كبيرة.
وفي عام 2023، أشار تقرير لموقع" يورونيوز" الإخباري إلى أن تطبيق تيك توك حوّل الصيدليات الفرنسية إلى وجهات سياحية، وبعد ثلاث سنوات، أصبحت مجلات التجميل تصف زيارة تلك الصيدليات بأنها" أمر لا بد منه"، مستشهدة بالمنتجات التي يحرص محررو التجميل فيها على شرائها كلما زاروا باريس، ويظل واقي الشمس حاضراً دائماً ضمن تلك القائمة.
هل واقي الشمس ضروري لأصحاب البشرة الداكنة؟ويُبدي المستهلكون الأمريكيون، على نحو خاص، اهتماماً بشراء واقيات الشمس من دول أخرى، نظراً لأن اللوائح التي تفرضها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحول دون إتاحة المرشحات (الفلاتر) الشمسية المتطورة المستخدمة فيها داخل الولايات المتحدة.
ويقول باتريك كولمان، طبيب الأمراض الجلدية المقيم في نيو أورلينز إن" استخدام واقي الشمس من أسهل الإجراءات اليومية التي يمكن اتخاذها للوقاية من السرطان والشيخوخة المبكرة"، مضيفاً أن" واقيات الشمس المتوفرة في الخارج تتقدم على نظيراتها لدينا بعقود".
لكن الإقبال على واقيات الشمس يتجاوز الحدود الوطنية والفئات العمرية، إذ زارت زوي كارليس، وهي من مدينة ملبورن الأسترالية، اليونان في العام الماضي، وأعربت عن سعادتها بشراء واقيات الشمس من الصيدليات اليونانية.
وقالت: " بوجه عام، أثق كثيراً في واقيات الشمس الأسترالية لأن لوائحنا التنظيمية شديدة الصرامة، لكنني أستمتع بالتجول بين أرفف الصيدليات بحثاً عن علامات تجارية لا تتوافر لدينا في بلادنا، ولا يتعلق الأمر بكون أحدها (أفضل) من الآخر، وإنما بمتعة اكتشاف ما هو موجود هناك، إن قضاء ساعة داخل صيدلية يونانية يشكل نصف متعة العطلة".
في المقابل، تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع ترويجية لمشتريات وتوصيات، وتقول كايتلين فرانسيس-أغنيو: " هذا عالم يصعب التوقف عن استكشافه، فالخيارات المتاحة في كندا محدودة للغاية، كما أن اللوائح المنظمة لمرشحات الأشعة فوق البنفسجية شديدة التقييد، لذلك تقتصر خياراتنا على منتجات تترك طبقة بيضاء على البشرة أو تمنحها ملمساً دهنياً".
الجاذبية المستمرة للثقافات المختلفةترى كارولين ماير أن الإعجاب بأسرار الجمال لدى الثقافات الأخرى ليس ظاهرة جديدة، وتقول: " ارتبط الجمال الفرنسي منذ زمن طويل بالأناقة البسيطة، بينما أصبحت العناية الكورية بالبشرة مرتبطة بالبشرة المثالية والابتكار، وغالباً يمتد الإعجاب في جانب معين ليؤثر في تصورات الناس عن المنتجات وأنماط الحياة".
وتشتهر واقيات الشمس الأوروبية باستخدام مرشحات حديثة للأشعة فوق البنفسجية الطويلة (يو في إيه) لم تعتمدها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، مثل" ميكسوريل 400" و" تينوسورب إم"، كما اكتسبت واقيات الشمس الكورية شهرة متميزة بفضل خصائصها التجميلية عند استخدامها.
وتقول كريسيل ليم، المؤسسة ومديرة الابتكار لدى شركة فلور: " تحظى واقيات الشمس الكورية بإقبال واسع لأن تجربة استخدامها فريدة، لكونها تمتزج بسلاسة مع البشرة دون أن تترك ذلك المظهر الثقيل أو الطباشيري الذي ارتبط تقليدياً بواقيات الشمس".
كيف يعمل الكريم الواقي من الشمس؟وتعمل طبيبة الأمراض الجلدية الأمريكية، إيلين غيندلر، المعروفة منذ سنوات بدعمها لواقيات الشمس العالمية، على توعية مرضاها ومتابعيها عبر إنستغرام بشأن المنتجات التي تستحق التجربة، وأفضل مرشحات الأشعة فوق البنفسجية من حيث الفاعلية، ونظراً لأن بعض شركات العناية بالبشرة العالمية دخلت السوق الأمريكية بعد تعديل تركيبات واقيات الشمس لتتوافق مع لوائح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، فإن غيندلر وباتريك كولمان يوجهان مرضاهما الأمريكيين أيضاً إلى الأماكن التي يمكنهم شراء المنتجات الأصلية المتوفرة في الخارج.
ومن أبرز المتاجر الإلكترونية التي توفرها" كير تو بيوتي" و" ستايلفانا" و" كلت بيوتي"، إلا أن الأسعار غالباً تكون مرتفعة، وتقول غيندلر إنه" خلال الأشهر الماضية، ومع الرسوم الجمركية، أصبح الأمر شبه مستحيل، لذلك أنصحهم بالسفر إلى كندا أو المكسيك أو أوروبا أو آسيا لشرائها".
ورغم أن الزيادات السعرية والرسوم الجمركية أقل بكثير من تكاليف السفر والإقامة، فإن ميليسا كولمان، زوجة باتريك كولمان والمتخصصة في التثقيف بشأن العناية بالبشرة، ترى أن متعة المغامرة تفوق تلك التكاليف.
وتقول: " ستحصل أيضاً على عطلة"، إنها حسابات المسافرين.
وكما هو الحال في المتاجر الكبرى والمتاجر الصغيرة الدولية، تمثل الصيدليات ومتاجر مستحضرات التجميل مساحات للحياة اليومية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بجاذبية نابعة من حداثة التجربة، فالأرفف المزدحمة بالعبوات اللامعة تحمل أسماء علامات تجارية غير مألوفة وكتابات يصعب فكها، إلا أن الوعود بالجمال لا تحتاج إلى ترجمة.
وفي الاتحاد الأوروبي، تُنتج" لاروش بوزيه" و" إيزدين" الإسبانية بعضاً من أكثر واقيات الشمس رواجاً على منصة إنستغرام، وفي كوريا، يتجه السائحون إلى البحث عن منتجات" بيوتي أوف جوسون" و" راوند لاب"، من بين علامات تجارية أخرى، أما واقيات الشمس اليابانية، فتشتهر بقوامها المائي الخفيف.
وتقول آنا كلارك، وهي من هواة رياضة التنس، إنها تقضي وقتاً طويلاً تحت أشعة الشمس الحارقة في ولاية فلوريدا، ولذلك فإن استخدام واقيات شمس تتمتع بحماية عالية يعد أمراً ضرورياً، وتضيف: " توجد مزحة داخل عائلتي مفادها أنه مهما كان المكان الذي نوجد فيه، فإنني أستطيع أن أتعرف إلى وجود صيدلية من مسافة بعيدة، فالصليب الأخضر الذي يرمز إلى الصيدليات الأوروبية هو أكثر مشهد أحب رؤيته أثناء السفر على الأرجح".
وأرسلت آنا كلارك صورة من قرطاجنة، أستطيع أن أحصي فيها 11 عبوة من منتجات" لاروش بوزيه، و" يوسيرين" و" إيزدين"، وتقول إنها" الجولة الأولى".
ثم تضيف: " جرّبت اليوم إيزدين فيوجن ووتر ماجيك بمعامل حماية إس بي إف 40، أعجبني قوامه ورائحته، سنقضي اليوم على متن قارب، لذلك سأختبر مدى ثباته".
ولا يشارك أفراد عائلتها اهتمامها الكبير بواقيات الشمس، وتقول: " ابنتاي تضحكان عليّ، فإذا رأيت علامة تدل على وجود صيدلية، أقول: (سأتوقف سريعاً)، لأنهما إذا دخلتا معي فسأضطر إلى الانتهاء بسرعة، وأنا لا أحب الاستعجال عند التسوق لشراء واقيات الشمس".
وكانت تعتزم شراء مستحضر معين على هيئة بخاخ، لكن صيدلية" فارماتودو" لم تكن توفرها، لذلك ستواصل التجول في شوارع قرطاجنة بحثاً عن صيدليات أخرى، وتقول: " سأواصل زيارة الصيدليات حتى أعثر على ما أبحث عنه".
هل هناك طريقة آمنة لتسمير البشرة؟وبعيداً عن متعة البحث، فإن الشراء من مكان يوفّر المنتج يحمل مزايا عملية، فمعاينة المنتجات مباشرة تتيح للمتسوقين اختبار قوامها قبل شرائها، كما تضمن الحصول على منتج حديث، ويمنح الشراء من بلد المنشأ أيضاً فرصة الحصول على المنتجات الأصلية والخط الكامل لمنتجات العلامة التجارية.
ويظل التخطيط عاملاً حاسماً، وتقول كايتلين فرانسيس-أغنيو: " أجري أبحاثي دائماً قبل أسابيع، أتصفح منشورات ريديت، وأتابع أحدث ما تنشره مدونات الجمال، ثم أعد قائمة في تطبيق الملاحظات"، كما تتجنب التسوق في اليوم الأخير من رحلتها حتى لا تشعر بالضغط، وتقصد المتجر الرئيسي لـ" أوليف يونغ" في حي ميونغ دونغ في سول لما يشتهر به من عروض متكررة، وتنصح بالزيارة صباح أيام العمل، مضيفة أن" الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع تكون مزدحمة للغاية".
وفي باريس، كثيراً ما تمتد الطوابير أمام صيدلية" سيتي فارما"، وهي صيدلية أسعارها مخفضة وتشتهر بتشكيلتها الواسعة، تلتف هذه الطوابير حول المبنى، وتقول ميليسا، التي تسافر إلى الخارج ثلاث أو أربع مرات سنوياً: " لا أذهب إليها مطلقاً، لأنها مزدحمة جداً، إنها أرخص بالفعل، ولكن ليس بفارق كبير"، وفي باريس، تفضل صيدليتي" فارماسي دو لا ماري" و" فارماسي ديزارشيف"، وتضيف: " مهما تكرر وقوفي أمام تلك الجدران المليئة بالمنتجات الأوروبية الجميلة، ينتابني دائماً شعور بأن هذا الجدار بأكمله سيجعلني الشخص الأفضل".
وتجعل كريسيل ليم التسوق لشراء منتجات العناية بالبشرة جزءاً محورياً من برنامج عطلاتها، وتقول: " قد يتضمن يوم السفر المثالي بالنسبة لي تناول القهوة صباحاً، ثم زيارة متحف أو معرض فني، يعقب ذلك الغداء، ثم زيارة صيدلية أو متجر لمستحضرات التجميل خلال فترة ما بعد الظهر قبل العشاء".
وتعتبر أن التسوق لشراء منتجات العناية بالبشرة في مدن نابضة بالحياة مثل سول وطوكيو وباريس وسيدني يمثل" إعادة ضبط" تساعدها على الارتباط بثقافة المكان، وتقول: " يعكس عالم الجمال الطريقة التي تنظر بها كل مدينة إلى الصحة والجمال والعناية بالنفس، وأعود دائماً إلى المنزل ومعي منتجات، لكن أيضاً معي قدر كبير من الإلهام".
زارت ميليسا العاصمة الإيطالية روما بالفعل خلال هذا الموسم، وهي تقضي حالياً وقتها في اليونان، وفي كل رحلة، بين صور" السيلفي" التي تلتقطها في الشوارع المرصوفة بالحجارة، توثق أيضاً مشترياتها من واقيات الشمس، وتعود إلى منزلها وهي تحمل ما يصل إلى 60 عبوة.
وتقول: " لا أحتفظ بمعظمها، فلن تتسع خزائن منزلي لها"، لذا تقدم جانباً كبيراً منها هدايا لأحبائها، كما تنظم حملات توزيع لمتابعيها.
وفي أحدث رحلة خارجية لها، عادت كايتلين فرانسيس-أغنيو ومعها 15 منتجاً للوقاية من الشمس، خصصت بعضها لنفسها وبعضها لأصدقائها، وتقول: " لم تقل الجمارك أي ملاحظة بشأن ذلك حتى الآن".
ورغم أن إيلين غيندلر خصصت العقدين الماضيين للدفاع عن تفوق مرشحات الأشعة فوق البنفسجية المتوفرة خارج الولايات المتحدة، فإنها ترى أن جانباً من الإقبال المتزايد عليها في الآونة الأخيرة يعود إلى متعة البحث عنها وما تمنحه من شعور بالتميز والحصرية.
وتقول: " إنها تتيح للمسافرين نشاطاً يمارسونه، والأمر يشبه الوقوف في طابور لمشاهدة فيلم، هذا يمنحك إحساساً بأنك جزء من شيء ما"، وعلى الرغم من ذلك فإنها تحرص، خلال رحلاتها، على إحضار منتجات مختلفة لاختبارها من أجل مرضاها ومتابعيها، وتقول: " عادةً أسافر بحقيبة يد، لكنني أعود بحقيبة تُشحن ضمن الأمتعة".
وترى كريسيل ليم أن واقيات الشمس التي تُشترى من الخارج، سواء كان الغرض منها حماية البشرة أو الانخراط في توجه ثقافي سائد، تمثل تذكار سفر يجمع بين المنفعة العملية ومتعة الاقتناء، إذ تذكّر صاحبها بالمكان الذي اكتشفها فيه كلما استخدمها.
وتقول إنه" من الناحية العاطفية، تصبح مرتبطة بالرحلة نفسها، ولهذا السبب يعود الناس من السفر بعطر أو علبة شوكولاتة، إذ تصبح جزءاً من التذكار، وجزءاً من الطقس الشخصي، وجزءاً من الذكريات".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك