تنذر المواجهات المحتدمة بين الجيش السوداني وقوات" الدعم السريع" حول مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان بوصولها إلى مرحلة معارك كسر عظم بشأن حسم مصير المدينة، فبينما أكد مصدر عسكري أن قوات الجيش تهيمن وتتحكم بمحاور القتال كافة وتمسك بزمام المبادرة في مسرح العمليات بمحيط المدينة، أعلن تحالف" تأسيس" بقيادة" الدعم السريع" المدينة هدفاً عسكرياً مشروعاً، مؤكداً أن وجود المدنيين بداخلها لا يمنح الجيش حصانة ضد الهجوم ولا يغير من طبيعتها كهدف عسكري لقواته.
وشدد الناطق الرسمي باسم التحالف أحمد تقد لسان على أن" قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي لا تحظر بصورة مطلقة مهاجمة المدن في حد ذاتها لمجرد أنها مأهولة بالسكان، وإنما يميز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية وتلك التي تضم أهدافاً عسكرية"، وأكد البيان أن مدينة الأبيض" تضم قواعد عسكرية، وقوات مقاتلة، وغرف عمليات، ومراكز قيادة، ومستودعات ذخيرة، ووسائل نقل عسكرية، ومنشآت تُستخدم استخداماً عسكرياً فعّالاً، وتكتسب هذه المنشآت صفة الأهداف العسكرية المشروعة، ولا تزول لمجرد وجودها داخل مدينة مأهولة، كما أن وجود المدنيين لا يحول الهدف العسكري المشروع إلى هدف غير مشروع".
أممياً يعتزم مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عقد المجلس جلسة خاصة بمقره في جنيف لمناقشة مشروع قرار بشأن الأحداث المتسارعة بمدينة الأبيض يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين، وفق مقتضيات القانون الدولي الإنساني.
وكشفت المصادر عن أن مشروع القرار يعرب عن بالغ القلق إزاء التدهور المريع للأوضاع الإنسانية في المدينة، ويدين أيضاً غارات" الدعم السريع" على الأعيان المدنية والمرافق الخدمية والقوافل الإنسانية واستخدام التجويع كوسيلة سلاح في الحرب، وتدفقات الدعم والسلاح والمقاتلين من الخارج.
وشددت المصادر على أن الأوضاع الأمنية بالأبيض والمناطق حولها مستقرة، مبينة أن سلاح الطيران يتابع تنفيذ ضرباته الجوية المكثفة بمنطقة الخوي وعلى طول طريق الصادرات الغربي الرابط بين أم درمان ومدينة بارا.
في هذا الوقت أشار مراقبون إلى أن" الدعم السريع" ما تزال تحتفظ بوجود مجموعات من قواتها في المحيط الغربي لمدينة الأبيض وفي مناطق عدة من الأجزاء الغربية بمحور كردفان، منوهين إلى أن سلسلة المناورات التي تقوم بها تلك القوات تهدف بشكل رئيس إلى محاولة التموضع في مواقع تضع مدينة الأبيض ضمن مدى مرمى ي الثقيلة في إطار خطتها الأوسع لمواصلة قصفها بعد أن تمكن الجيش من تغطية سماء المدينة بأجهزة التشويش والرصد وأنظمة الدفاع الجوي المضادة للمسيرات.
ومع تراجع استهداف مدينة الأبيض بطائرات" الدعم السريع" المسيّرة حذرت" شبكة أطباء السودان" من أن استمرار انقطاع الإمدادات الطبية والغذائية نتيجة منع الجماعة التي تسيطر على المنطقة دخولها، ينذر بكارثة إنسانية وصحية بشمال كردفان قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، بخاصة بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
وأعرب بيان للشبكة عن بالغ قلقها إزاء التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والصحية في مناطق غرب بارا بولاية شمال كردفان، حيث يواجه أكثر من 200 ألف مواطن بينهم أكثر من 20 ألف طفل، ظروفاً إنسانية بالغة القسوة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدواء إلى جانب تفشي وبائي الحصبة والكوليرا.
وكشفت الشبكة عن أن عدداً كبيراً من المرافق الصحية بات يعمل حالياً من دون أي إمدادات طبية من بينها مستشفيا" طيبة الزعتري" و" أم كريدم"، إلى جانب 14 مركزاً صحياً بمختلف المحليات، ما يرفع إجمالي السكان المتضررين من عدم وصول الإمدادات إلى أكثر من 200 ألف شخص.
أضاف البيان أن المعلومات الميدانية تشير إلى تصاعد حالات الإصابة بمرض الحصبة وسط الأطفال في عدد من المراكز الصحية، إضافة إلى تسجيل 45 إصابة بالكوليرا في ظل تراجع حاد للخدمات الصحية وانعدام الإمدادات الأساسية.
وناشدت الشبكة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والإغاثية والجهات الصحية المختصة، التدخل الفوري والعاجل لإيصال الأدوية والمحاليل الوريدية واللقاحات والمستلزمات الطبية إلى جانب توفير الغذاء والمياه الآمنة لضمان احتواء تفشي الأمراض وإنقاذ حياة آلاف المدنيين في منطقة الأبيض.
في الأثناء كشفت مصادر طبية عن تضاعف معاناة مرضى الكلى بالأبيض، محذرة من احتمال تزايد الوفيات في ظل الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية المرتبطة بخدمات غسيل الكلى بجانب صعوبات الوصول إلى المراكز الصحية.
وأكدت أن المدينة تشهد تحسناً في الأوضاع الأمنية وأن كل المستشفيات ما زالت تعمل على رغم الظروف الصعبة التي مرت بها خلال الأسابيع الأولى من قصف المحطة التحويلية للكهرباء ومحطات الوقود بالمدينة.
وشكا مواطنون داخل المدينة من أنهم لم يعودوا قادرين على مجاراة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تعيشها الأسر في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار بخاصة المياه والوقود، إذ بلغ سعر برميل المياه 36 ألف جنيه سوداني (حوالى 6.
5 دولار أميركي)، متوقعين انخفاض الأسعار مع بدء عودة إمدادات المياه إلى عدد من الأحياء في المدينة.
في هذا الوقت أعلنت حكومة شمال كردفان وصول الممثلة الأممية المقيمة بالسودان دينيس براون إلى الأبيض للوقوف على الأوضاع الإنسانية، ووفق بيان للحكومة الولائية أطلع والي الولاية براون على الجهود المبذولة لتحسين مستوى الخدمات مطالباً الأمم المتحدة والشركاء بزيادة حجم تدخلاتهم في دعم الولاية في هذه المرحلة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في محور النيل الأزرق، أكد الجيش أن قواته دمرت نقاط الارتكاز المتقدمة لـ" الدعم السريع" والحركة الشعبية على طريق مدينة الكرمك، وعززت انتشارها حول المدينة وسط قصف مدفعي وغارات جوية عنيفة، وقضت على تحصينات الجماعة داخل المدينة تاميناً لعمليات الاقتحام البري.
وأوضح الجيش أنه أغلق المدينة تماماً بالسيطرة على مزيد من القرى الصغيرة على مسافة أقل من خمسة كيلومترات من الكرمك، معززاً بذلك تقدمه الميداني بسيطرته على مناطق خور البركة ومقجة وسركم، وبات الآن في الخطوة الأخيرة لاقتحامها.
وأكد المكتب الإعلامي لقيادة الفرقة الرابعة - مشاة تعزيز السيطرة الميدانية في منطقة سركم، بعمليات تمشيط واسعة، أسفرت عن الاستيلاء على كميات من الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية.
ومنذ مارس (آذار) الماضي، تسيطر" الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة جوزيف توكا علي مدينة الكرمك المتاخمة للحدود مع إثيوبيا.
في جنوب كردفان لقى ثلاثة أشخاص على الأقل وأصيب آخرون بجروح متفاوتة على إثر قصف مدفعي عشوائي شنته" الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية - شمال بقيادة عبد العزيز الحلو على مدينة الدلنج ثاني أكبر مدن الولاية.
وأوضحت مصادر محلية أن القصف العشوائي شمل عدداً من أحياء المدينة واستمر ساعات عدة، في وقت يعيش مواطنو الدلنج أزمة إنسانية متفاقمة ونقصاً حاداً في المؤن الغذائية والخدمات العامة والصحية الأساسية.
ومنذ اندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، تتعرض الدلنج لهجمات متكررة من" الدعم السريع" وحليفتها الحركة الشعبية، وظلت محاصرة ومعزولة فترات طويلة بسب إغلاق طرق الإمداد الرئيسة، بين شمال وجنوب كردفان، حتى تمكن الجيش وحلفاؤه من فتح الطريق القومي الرابط بين الأبيض، الدلنج وكادوقلي، وتأمين حركة الإمداد والتنقل.
في إقليم دارفور، تدور مواجهات واشتباكات شرسة بين" الدعم السريع" والقوات المشتركة على طول الشريط الممتد من منطقة فوراوية ومحيط محلية كلبس حتى تخوم جبل مون وصليعة، على مشارف مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور.
وكشفت مصادر محلية أن" الدعم السريع" تقوم بعمليات حشد واستنفار واسعة بهدف وقف تقدم الجيش والقوات المشتركة نحو مدينة الجنينة، عقب تقدمها أكثر وتضييقها الخناق على عدد من مواقع تمركزها بالمناطق المتاخمة لولايات دارفور على الشريط الحدودي بين السودان وتشاد.
وأوضحت المصادر أن الهجمات المتبادلة تسببت في تدهور كبير للأوضاع الإنسانية بمناطق أمبرو وكرنوي، بشمال دارفور، فضلاً عن تدفق مزيد من النازحين نحو منطقة طويلة التي تشهد ضغطاً متزايداً في الخدمات الصحية وشح الأدوية ومياه الشرب والمعونات الغذائية ما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في المنطقة.
بدورها وجهت حكومة ولاية غرب دارفور نداء عاجلاً للمواطنين دعتهم فيه إلى الابتعاد التام عن مناطق العمليات العسكرية ومحاور الاشتباكات، وشدّد بيان لوالي الولاية القائد بحر الدين آدم كرامة على ضرورة التزام السكان بالبقاء داخل المنازل والابتعاد عن النوافذ والمناطق المكشوفة عند سماع أصوات الاشتباكات وعدم الاقتراب نهائياً من تجمعات أو تحركات أو نقاط الارتكاز التابعة لـ" الدعم السريع"، وأخذ الحيطة والحذر لحين استقرار الأوضاع والاعتماد على المصادر الرسمية وتجنب الشائعات.
في جنوب دارفور تجددت الاشتباكات الدموية بين قبيلتي البني هلبة والسلامات على إثر انهيار اتفاق الصلح والهدنة بين القبيلتين الذي كانت ترعاه دائرة المصالحات القبلية بـ" الدعم السريع"، وأوضحت مصادر أهلية أن مجموعات من البني هلبة شنت هجوماً واسعاً على مواقع تابعة لقبيلة السلامات ما أدى إلى سقوط خسائر بشرية في صفوف الطرفين، في وقت تتواصل الحشود من الطرفين بصورة تنذر باتساع أكبر للمواجهات.
وجددت قيادات في البني هلبة اتهاماتها لقيادة الجماعة بمولاة قبيلة السلامات على حساب حقوقها وممتلكاتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك