إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «4-10»:لماذا أخفقت الأحزاب ذات الرؤى الحديثة في التحول إلى قوى جماهيرية؟لا يرتبط مفهوم الحزب الحديث بتاريخ نشأته، وإنما بطبيعة رؤيته وأسلوب تنظيمه وإدارته.
فقد عرف السودان، منذ ما قبل الاستقلال وبعده، أحزاباً وتنظيمات تبنت أفكاراً متقدمة حول الديمقراطية، والمؤسسية، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح السياسي، وسعت إلى تجاوز الأنماط التقليدية في العمل الحزبي.
ورغم اختلاف هذه التجارب في مرجعياتها الفكرية وبرامجها السياسية، فإن معظمها واجه النتيجة نفسها؛ إذ لم ينجح في التحول إلى قوة جماهيرية واسعة قادرة على المنافسة المستدامة أو قيادة مشروع وطني جامع.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تعثرت هذه الأحزاب، رغم ما امتلكه كثير منها من كوادر مؤهلة وأفكار متقدمة؟
أولاً: جودة الفكرة وحدها لا تصنع حزباً ناجحاًمن أكثر الأخطاء شيوعاً في العمل السياسي الاعتقاد بأن سلامة الفكرة كافية لضمان النجاح.
غير أن التجارب السياسية تؤكد أن الحزب لا ينتصر بأفكاره وحدها، وإنما بقدرته على تحويل تلك الأفكار إلى تنظيم فعال، وإلى حضور اجتماعي واسع، وإلى عمل يومي يلامس حياة المواطنين.
فكم من فكرة جيدة بقيت حبيسة الندوات، وكم من حزب محدود الفكر استطاع أن يرسخ وجوده بفضل التنظيم والانتشار والقدرة على التواصل مع المجتمع.
ثانياً: النخبوية وضعف التجذر الاجتماعياعتمدت كثير من الأحزاب ذات الرؤى الحديثة على المثقفين والمهنيين والطلاب، وهي قاعدة مهمة لأي مشروع إصلاحي.
لكنها لم تنجح بالقدر الكافي في بناء امتداد اجتماعي وسط المزارعين والرعاة والعمال وصغار المنتجين وسكان الأقاليم، ولم تتحول إلى مؤسسات حاضرة في الحياة اليومية للمواطنين.
فظلت في كثير من الأحيان أقرب إلى النخب الفكرية منها إلى الأحزاب الجماهيرية.
ثالثاً: إعادة إنتاج أزمات الأحزاب التي انتقدتهانشأت هذه الأحزاب وهي ترفع شعارات المؤسسية والديمقراطية الداخلية، إلا أن بعضها وقع في مشكلات مشابهة لما كان ينتقده لدى غيره.
فظهرت الانقسامات، وبرزت الخلافات الشخصية، وضعفت المؤسسات أمام نفوذ القيادات، وتعثر تداول المسؤوليات.
وهكذا أثبتت التجربة أن المؤسسية ليست شعاراً، بل ثقافة تنظيمية تُبنى بالممارسة والالتزام والانضباط.
رابعاً: غياب المشروع الوطني المتكاملركزت كثير من هذه الأحزاب على الإصلاح السياسي والحريات وحقوق الإنسان، وهي قضايا أساسية لأي دولة حديثة.
غير أن المواطن لا يقيس نجاح الأحزاب بحديثها عن الدستور وحده، وإنما بقدرتها على تقديم حلول عملية لمشكلاته اليومية في الإنتاج، والتعليم، والصحة، والخدمات، وفرص العمل، والتنمية المتوازنة.
فالحزب الذي لا يربط الديمقراطية بتحسين حياة الناس يصعب عليه أن يحشد التأييد الشعبي الواسع.
خامساً: ضعف تحويل الأفكار إلى مصالح مجتمعيةمن أبرز أسباب التعثر أن كثيراً من الأحزاب الحديثة خاطبت عقول الناس أكثر مما خاطبت احتياجاتهم.
فبقيت البرامج السياسية عامة ومجردة، بينما احتاج المواطن إلى من يربط السياسة بقضاياه المباشرة، ويقدم حلولاً واقعية يمكن قياس أثرها في حياته اليومية.
وعندما تنفصل السياسة عن المصالح الملموسة، يضعف تأثيرها مهما بلغت جودة خطابها.
سادساً: البيئة السياسية السودانيةلا يمكن تحميل هذه الأحزاب وحدها مسؤولية تعثرها.
فقد نشأت في ظل أنظمة شمولية، وقيود على النشاط السياسي، وضعف الموارد، وتكرار الحروب والأزمات الاقتصادية، وهي ظروف حدّت من قدرة جميع القوى السياسية على التطور الطبيعي.
ومن ثم فإن تقييم هذه التجارب ينبغي أن يكون متوازناً، يعترف بما قدمته من إضافات فكرية وتنظيمية، كما يعترف بما واجهته من إخفاقات موضوعية وذاتية.
تكشف التجربة السودانية أن الحزب الحديث لا يُعرَّف بتاريخ تأسيسه، ولا بمجرد حداثة شعاراته، وإنما بقدرته على الجمع بين:•برنامج اقتصادي واجتماعي واقعي.
•قدرة مستمرة على إدارة الاختلافات الداخلية.
وعندما يختل أحد هذه العناصر، تتضاءل فرص تحول الحزب إلى قوة جماهيرية مؤثرة.
هل أخفقت هذه التجارب بالكامل؟فقد أسهمت في ترسيخ مفاهيم المواطنة، والديمقراطية الداخلية، والشفافية، وحقوق الإنسان، وتجديد الخطاب السياسي، وفتحت المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في العمل العام.
غير أن انتقالها من التأثير الفكري إلى الفاعلية الجماهيرية ظل التحدي الأكبر الذي لم يُحسم بعد.
إن مراجعة تجارب الأحزاب ذات الرؤى الحديثة ليست دعوة لإدانتها ولا للاحتفاء بها، وإنما محاولة لاستخلاص الدروس التي تساعد على بناء حزب سوداني معاصر يجمع بين الفكر والتنظيم، وبين المبادئ والمصالح، وبين الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية، وبين المؤسسية والامتداد المجتمعي.
وفي الحلقة القادمة ننتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا نجحت بعض الدول في بناء أحزاب حديثة ذات قواعد شعبية واسعة، بينما ظلت معظم محاولات التجديد الحزبي في السودان عاجزة عن تحقيق ذلك؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك