وصل مجلس السلام، الذي من المفروض أن يخرج غزة من الخراب والدمار إلى إعادة الإعمار والنهوض، إلى مفترق طرق حاسم في الفترة الأخيرة.
وهو يواجه الآن ثلاثة خيارات: بناء مخيمات للاجئين في منطقة محدودة جداً في رفح دون الاتفاق مع حماس، أو انتظار موافقتها على خطة لنزع سلاحها بالتدريج، أو إرسال لجنة خبراء مهنيين إلى القطاع بناء على اتفاقات جزئية مع حماس، لا تشمل ضمانات لنزع سلاحها.
إذا لم يتم إحراز أي تقدم فوري في أي مسار من هذه المسارات، فهذا يعني أن معظم سكان القطاع سيحكم عليهم بشتاء آخر، رابع، في خيام غارقة بالمياه وتفتقر إلى أبسط مقومات الصرف الصحي، ويتعرضون لهجمات متكررة من الجيش الإسرائيلي.
العقبة المشتركة أمام هذه المسارات المحتملة هي الحكومة الإسرائيلية، التي لا تسمح حتى الآن بإحراز أي تقدم في أي مسار من هذه المسارات.
إن المنشورات الأخيرة، بما في ذلك تقرير “يديعوت أحرونوت” الجمعة الماضي، الذي جاء فيه بأن الإدارة الأمريكية “قررت التنازل عن تفكيك حماس كشرط لإعادة إعمار غزة”، لا تعزز احتمالية سماح نتنياهو في خضم الحملة الانتخابية بخطوة وصفها في خطاباته بأنها استسلام.
مع ذلك، لا يمكن لمجلس السلام أن يعترف بالفشل، وهو يحرص على تقديم أي إنجاز، حتى لو كان جزئياً، للبيت الأبيض.
وقد سلم آريه لايتستون، ممثل الحكومة لشؤون غزة والمستشار البارز في مجلس السلام، رسالة لنتنياهو قبل أسبوعين تتضمن عدة طلبات قد تؤدي إلى إحراز بعض التقدم في القطاع.
ونشر المراسل روي كيس والمراسل اليئور ليفي في قناة “كان 11” عن الرسالة لأول مرة.
وحسب مصادر تحدثت مع “هآرتس”، تشمل الرسالة طلبات لتقديم تنازلات إنسانية من قبل إسرائيل، مثل السماح بإدخال مبان متنقلة، وزيادة حجم المساعدات، وإضافة منتجات إنسانية حيوية، تعرفها إسرائيل بأنها “ثنائية الاستخدام” (مثل الوقود، ألواح الطاقة الشمسية، والمعدات الطبية).
ومن بين طلبات لايتستون الإضافية من نتنياهو: السماح بدخول قوة الاستقرار الدولية واللجنة الفنية لإدارة قطاع غزة إلى رفح، حيث تقرر إقامة مخيم للاجئين هناك كجزء من “الخطة التجريبية”.
وهذا ما يسميه أعضاء مجلس السلام الخطة التي سيتم بحسبها إحراز تقدم ما دون الاتفاق مع حماس.
في أيار الماضي، نشرت “هآرتس” أن مجلس السلام كان يستعد للتقدم في خطة ترامب المكونة من 20 بنداً.
وحسب البند الذي ينص على أنه في حالة عرقلة حماس للخطة، سيتم تنفيذها في أجزاء من القطاع “الخالية من الإرهاب”.
في الأسبوع الماضي، عقد أعضاء ومستشارون ومسؤولون في مجلس السلام، إضافة إلى أعضاء اللجنة الفنية، لقاءات مفصلة في قبرص لمناقشة الخطوط العريضة للخطة.
وشارك في اللقاءات، من بين آخرين، لايتستون، الذي هو مستشار رفيع آخر في المجلس من البيت الأبيض، وغوش غرونباوم، والممثل الأعلى في المجلس نيكولاي ملادينوف، ومستشار جاريد كوشنر ليران تانكمان، وأعضاء من معهد توني بلير.
حسب المعلومات المتوفرة، لم يُتّخذ أي قرار عملي في اللقاء بخصوص التقدم في الخطة التجريبية دون موافقة حماس.
وينسب تأجيل القرار النهائي في التقدم في تنفيذ الخطة إلى عدم موافقة إسرائيل ونقص التمويل المتاح والرغبة في إعطاء فرصة أخرى لتحقيق انعطافة في المفاوضات مع حماس.
وقد ناقش المشاركون الخطوط العريضة من أجل التوصل إلى حل لهذه المسائل.
ولكن هناك اختلافات في المواقف داخل مجلس السلام وفي محيطه حول هذه القضية: فإلى جانب الذين يدفعون نحو الإسراع في إنشاء “ملاجئ إنسانية” في رفح، هناك أصوات تخشى من أن يعرض أي تقدم جزئي دون موافقة حماس، المفاوضات معها إلى الخطر، خاصة بعد موافقة حماس في الفترة الأخيرة على مناقشة موضوع نزع السلاح.
في منطقة رفح، تم بذل محاولات لفصل حماس عن السكان المدنيين الذين يحصلون على المساعدات من صندوق غزة الإنساني.
وتحذر مصادر من إقامة منطقة إنسانية جديدة دون تعلم الدروس من التجربة السابقة التي أودت بحياة المئات.
وقال مصدر لـ “هآرتس”: “لم يحقق مجلس السلام أي شيء خلال ستة أشهر، اللجوء إلى هذه الخطة البديلة لن يساعد.
فإقامة مخيم جديد للاجئين لا يعتبر حلاً لمشكلات غزة”.
وحسب المشروع التجريبي، من المفروض أن ينسحب الجيش الإسرائيلي بضع مئات من الأمتار في منطقة الخط الأصفر في رفح لإتاحة إنشاء “جيب” يدخله مئات جنود قوة حفظ السلام.
يبلغ عدد القوة الآن 500 جندي من المغرب، حيث وافق المغرب على إرسال قواته بعد تراجع إندونيسيا عن التزامها.
وحسب الخطة، سيتولى هؤلاء الجنود، وربما أيضاً ضباط شرطة للجنة الفنية، مهمة حراسة حدود القطاع، حيث سيقف جنود الجيش الإسرائيلي على جانب، وتكون المنطقة التي تسيطر عليها حماس في الجانب الآخر.
لم يحدد مجلس السلام حتى الآن آلية دخول وخروج السكان من القطاع، لكن مصدراً في المجلس أكد لـ “هآرتس” بأن “القطاع لن يكون سجناً، والناس سيدخلون ويخرجون”.
وأضاف هذا المصدر بأنه لم يتم وضع آلية تحدد كيفية دخول وخروج السكان من القطاع.
ولكنه أكد أن “جنود الجيش الإسرائيلي لن يقفوا عند نقاط التفتيش، ولن يكونوا على اتصال مباشر مع السكان”.
لكن إسرائيل يمكنها عرقلة الخطة، أو على الأقل تأخيرها، وأي تقدم آخر في قطاع غزة.
فمن دون موافقة الجيش الإسرائيلي الذي يسيطر على المنطقة، لن تتمكن أي قوة من دخولها، وأيضاً لم توقع إسرائيل على اتفاق وضع القوات مع قوة حفظ السلام الدولية، وهو شرط أساسي لانتشارها.
يتم التوقيع على مثل هذا الاتفاق عندما تتركز قوات الأمم المتحدة في منطقة معينة.
إضافة إلى ذلك، قال مصدر رسمي في مجلس السلام للصحيفة بأن جنود المغرب لم يصلوا حتى الآن إلى المنطقة وإنهم ينتظرون الاتفاق المتعلق بتنفيذ الخطة.
ويأتي ذلك رغم نشر المنظمة صور لانزال سيارات “هامر”، التي من المفرض أن تخدم قوة حفظ السلام، قرب معبر كرم أبو سالم.
مع ذلك، أعرب مصدر آخر في المجلس عن تفاؤله، وربما توقع إسرائيل في الأسابيع القادمة الاتفاق الذي سيسمح للقوة بدخول رفح، وتوافق لاحقاً على دخول اللجنة الفنية إلى المنطقة.
في غضون ذلك، تظهر دول الوساطة وبعض الأطراف في مجلس السلام تفاؤلاً حول إمكانية التوصل إلى اتفاق مع حماس في الفترة القريبة.
ويتوقع أن تبدأ جولة أخرى من المحادثات بين الوسطاء وملادينوف وطاقم التفاوض التابع لحماس في هذا الأسبوع.
وقد أشارت مصر، التي تقود العملية، إلى قدرتها على إقناع حماس بالموافقة على نزع سلاحها بالتدريج.
وقالت مصادر تحدثت للصحيفة بأن موقف حماس من هذه القضية قد تضاءل في الفترة الأخيرة.
وحسب مصدر مطلع على الأمر، فقد توصلت حماس والوسطاء إلى تفاهمات حول 13 بنداً من أصل 15 في وثيقة إطار تم تقديمها لها في نيسان، وما زالت قيد النقاش والتعديل منذ ذلك الحين.
هناك خلاف حول بندين أساسيين: الأول يتعلق بمسألة نزع السلاح، والآخر يتعلق بدمج المسؤولين وضباط الشرطة الذين خدموا تحت حماس في النظام الحاكم الجديد في القطاع، والتعويضات التي ستدفع للذين لن يتم توظيفهم منها.
ويعدّ هذا البند مهماً جدا لحماس.
ويعود ذلك إلى أن حماس تأمل بأن يدفع مجلس السلام رواتب المسؤولين الذين عملوا تحت إدارتها بأثر رجعي، وهو ما لا يرغب فيه المجلس.
أما بشأن بند نزع السلاح فتكمن المشكلة الأساسية في اشتراط حماس الحصول على وعد بتقديم خطة شاملة لإقامة الدولة الفلسطينية.
ويتوقع أن تعرقل إسرائيل هذا الطلب، رغم أن الخطة المكونة من 20 بنداً تنص بصراحة على أفق سياسي.
عملياً، هذا هو سبب عدم توقع حدوث أي تطور إيجابي، وأي اقتراح للتقدم معرض للفشل في دوامة الرفض.
فمن خلال استمرار سياسة الاغتيالات التي تحصد أرواح الأبرياء، وتكرار التصريحات حول السيطرة على مناطق في القطاع، تسعى حكومة إسرائيل إلى إبقاء الحرب في غزة تحت السيطرة، وهي بالتأكيد لا تهتم بحل سلام دائم.
في ظل هذه الظروف، تبدو فرصة تحقيق انعطافة في غزة ضئيلة، على الأقل حتى موعد الانتخابات في تشرين الأول القادم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك