بين جدران المحكمة الكبرى الجنائية، عاد واحد من أكثر الملفات الأمنية حساسية في تاريخ البحرين المعاصر ليتصدر المشهد من جديد.
فالقضية التي ارتبطت باتهامات بتأسيس تنظيم إرهابي ذي صلة بالحرس الثوري الإيراني، لم تكن مجرد ملف جنائي تقليدي، بل قضية امتدت تداعياتها إلى الأمن الوطني والفكر المجتمعي، وأثارت منذ الكشف عنها تساؤلات عميقة بشأن محاولات استغلال الدين والمنابر الاجتماعية لنشر أفكار سياسية وأيديولوجية عابرة للحدود.
وفي جلسة اتسمت بأهمية خاصة، بدأت المحكمة النظر في قضية تضم 19 متهمًا، بعد أن أسفرت تحقيقات أمنية وقضائية مطولة عن كشف تنظيم متهم بالسعي إلى نشر فكر «ولاية الفقيه» والتحريض ضد نظام الحكم، والدعوة إلى تغيير النظام الدستوري القائم بوسائل غير مشروعة، في واحدة من القضايا التي تعكس استمرار المواجهة البحرينية مع التنظيمات المرتبطة بأجندات خارجية.
تعود جذور القضية إلى تحقيقات أمنية مكثفة أجرتها الأجهزة المختصة بعد ورود معلومات وتحريات حول وجود تنظيم يعمل بصورة سرية ومنظمة لاستقطاب أفراد وتجنيدهم فكريًّا، مستفيدًا من بعض التجمعات الدينية والاجتماعية لنشر أفكار تتعارض مع مبادئ الدولة الوطنية، وترسيخ مفهوم التبعية السياسية والدينية لمرشد الثورة الإيرانية.
ووفقًا لما أعلنته النيابة العامة، فإن التنظيم لم يقتصر نشاطه على الجانب الفكري فحسب، بل اتُهم بالعمل على التحريض ضد مؤسسات الدولة، وبث أفكار من شأنها تهديد الأمن والاستقرار وإثارة الانقسام داخل المجتمع، فضلًا عن جمع أموال لدعم أنشطته وتوفير الإمكانات اللازمة لاستمراره.
استغلال دور العبادة والمآتموأشارت التحقيقات إلى أن التنظيم سعى إلى استغلال بعض دور العبادة والمآتم والحسينيات لنشر أفكاره وتوسيع دائرة تأثيره، من خلال بث خطابات ذات طابع سياسي وأيديولوجي تتجاوز الأبعاد الدينية التقليدية، وهو ما اعتبرته السلطات محاولة لتوظيف المنابر الدينية في خدمة أهداف تنظيمية وسياسية.
كما كشفت التحقيقات عن ضبط مبالغ مالية ووثائق وأجهزة إلكترونية ومواد تتعلق بنشاط التنظيم، إلى جانب رصد اتصالات وتنسيق مع جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي أضفى على القضية بعدًا أمنيًّا وإقليميًّا يتجاوز حدود العمل الداخلي.
النيابة: تنظيم يهدد الاستقراروأكدت النيابة العامة أن الأفعال المنسوبة إلى المتهمين تمثل تهديدًا مباشرًا للنظام الدستوري والاستقرار العام، لافتة إلى أن التنظيم كان يسعى إلى نشر أفكار مناوئة للدولة وإحداث حالة من الاضطراب السياسي والمجتمعي.
كما أسندت النيابة إلى المتهمين تهمًا تتعلق بتأسيس وإدارة جماعة إرهابية، وتمويل أنشطتها، ونشر أفكار تحريضية، والتخابر والتنسيق مع جهات خارجية، وهي اتهامات تُعد من أخطر الجرائم الماسة بأمن الدولة.
وتأتي هذه القضية ضمن سلسلة من القضايا التي شهدتها البحرين خلال السنوات الماضية والمتصلة بتنظيمات مرتبطة بالخارج، حيث نجحت الأجهزة الأمنية في إحباط عدد من المخططات التي استهدفت أمن المملكة واستقرارها، في إطار استراتيجية أمنية تقوم على الرصد الاستباقي والتعامل القانوني مع التهديدات الإرهابية.
ويرى مراقبون أن إعادة فتح هذا الملف أمام القضاء تؤكد أن المملكة تتعامل مع قضايا الأمن الوطني باعتبارها مسؤولية مستمرة لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تمتد إلى ملاحقة كل من يثبت تورطه في أنشطة تمس أمن الدولة أو تسعى إلى استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية.
ومع انطلاق المحاكمة، تبعث البحرين برسالة واضحة مفادها أن دولة المؤسسات والقانون قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والفكرية في آن واحد، وأن استغلال المنابر الدينية أو الانتماءات الأيديولوجية للإضرار بأمن الوطن واستقراره سيظل محل مساءلة قانونية وقضائية، في إطار من العدالة وسيادة القانون.
وقد قررت المحكمة تأجيل القضية إلى جلسة 12 يوليو 2026 للاطلاع والمرافعة، في انتظار ما ستكشفه جلسات المحاكمة المقبلة من تفاصيل إضافية حول واحدة من أكثر القضايا الأمنية إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك